Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الخميس 14 دجنبر 2017 العدد : 2429

واسيني الأعرج: شهوات الانفصال والأفق المظلم

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
رأي
| 11 أكتوبر 2017 - 12:11

هناك شيء ما يمس العالم كله. الرغبة في التحرر من قيد الدولة الوطنية، بعنف أو ببعض السلام. الذين خططوا له لم يكونوا يظنون أن ذلك سيمسهم هم أيضا، تحديدا أوروبا التي تنام على بركان قومي وعرقي وديني. الموجة عندما تبدأ، يصعب توقيفها أو الحد من امتدادها.
وهي شبيهة بموجات سابقة لها غيرت بعنف وجه البشرية والجغرافيا والخرائط. خروج بريطانيا، البريكست، في صورته الانفصالية عن مجموعة دولية كبيرة، الاتحاد الأوروبي، ليس إلا نموذجا صغيرا لذلك.
طبعا الحالة تختلف لأن الأمر يتعلق بدولة، لكن فعل الخروج في النهاية هو هو، لأسباب يمكن تحديدها بسهولة، سياسية أو اقتصادية أو ثقافية بالمعنى الواسع، أو كل هذه العناصر مجتمعة. ولكن داخل بريطانيا العظمى نفسها، أو ما تبقى منها، هناك رغبات دينية وعرقية وثقافية تنمو في الخفاء لتجعل من الانفصال حالة ضرورية، الاختلاف الوحيد أن ذلك يتم في أوروبا، ديمقراطيا، حتى الآن على الأقل، خارج العنف، ووفق إملاءات الدستور، إيرلندا، أيسلندا وغيرهما، كثيرا ما تقف على الحافة، وينتصر فيها في النهاية فعل البقاء الهش مثلما حدث قبل مدة قصيرة مع بلاد الغال التي صوتت لمصلحة مغادرة أوروبا. قبل سنوات حدث في كندا شيء شبيه كاد يقود إلى تقسيم بين مونتريال والكيبيك.
بين خيارات البقاء في الفرانكفونية أو الإنكلوفونية أو البقاء في كندا موحدة، وهو ما تم. انتصرت خيارات البقاء. بلجيكا أيضا مرت بتجربة الانفصال بين الفلامان الذين يشكلون الأغلبية، والوالون البرجوازية الفرانكفونية والأقلية الجرمانية. وكاد الانفصال أن يحدث على حساب بلجيكا التقليدية. إيطاليا أيضا غير بعيدة عن هذا الانفجار، بين شمال غني، جنوب عمالي متواضع في غناه. وسويسرا التي يحميها حاليا رفاهها. فرنسا مع كورسيكا والحركات الانفصالية في جزر الكاراييب، التي نشأت فيها حركة مسلحة ظلت زمنا طويلا تطالب بالاستقلالية عن فرنسا.
إذا؛ الحالات القومية ظاهرة عامة. طبعا هناك انفصالات تمت بشكل سلمي وحريري. الأمثلة ليست كثيرة للأسف، مثال التشيك والسلوفاك. العالم العربي يعاني اليوم من هذه الهجمات التي لها ما يبررها. انفصال الشمال السوداني الزراعي، عن الجنوب النفطي. كيف يمكن لناس يملكون النفط ويعيشون في الفقر المدقع، بينا يعيش غيرهم في رفاه كبير؟ تجربة السودان كانت إعلانا عن بدء عملية معقدة، ستمس العالم العربي كليا. لم يولها المسؤولون العرب أي اهتمام، من منطق أن هذا لا يمس إلا الآخرين.
ويبدو اليوم واضحا أن الدولة الفديرالية ليست إلا عتبة أولى باتجاه الانفصال الكلي. لم يكف أن يكون رئيس الدولة كرديا في العراق مثلا لسنوات، أصبح الاستقلال ليس فقط ضرورة ولكن حاجة اقتصادية. التضامن الاجتماعي انتفى نهائيا وآن للغاني أن يتخلى عن حمل ثقيل. وإذا نجح الانفصال، إذ لا يوجد ما يعوقه فسيكون سابقة مهمة إذا شجعها الغرب في العالم العربي، وحاربها في البلدان الأوروبية سيكون خائنا لقيمه نفسها. بيرنار هنري ليفي فيلسوف الحروب الدموية والمنظر لها، ولا يخفي خدمته للصهيونية التي يعتبرها من أذكى ما خلقته البشرية من فكر، ضاربا عرض الحائط الفكر الإنساني الذي حمل الصهيونية تشريد الشعب الفلسطيني. ماذا سيقول برنار هنري ليفي الذي مزق ليبيا وأسهم في تدمير اللحمة الوطنية، بين بنغازي وطرابلس، وأيقظ العنصريات الدفينة؟ بالنسبة لاسبانيا التي رجعت الى الدستور لتثبيت الوضع القائم، وتسببت في سابقة أوروبية خطيرة، في العنف ضد مواطن إسباني يطالب بحق قديم؟ يفترض انه دخل حرا وسيخرج حرا. هذا الالتباس في مواجهة المتظاهرين، أجبر الملك على أن يقف إلى جانب رئيس وزرائه. فطالب بالعودة إلى الدستور. ماذا سيقول برنار هنري ليفي، فيلسوف الحروب التمزيقية لقرابة المليون من الإسبان من الذين نزلوا إلى الشوارع؟ لا أعتقد أنه يتجرأ على ذلك كما فعل في ليبيا وفي المناطق الكردية. فهو ليس أكثر من أمير للحروب، له وظيفة وأهداف ومنتفعات.
هل سيكون مثلا مع الباسك إذا رفعوا علمهم على المنطقة، وأعلنوا عن شهوتهم الانفصالية؟ السؤال الذي يطرح في هذا السياق، ماذا وراء فكرة الفدرالية وسقوط الدولة الوطنية؟ هل هي إعلان خيبة تم تجريبها ولم تعط شيئا؟ فيدرالية الأكراد هو انتقام من وضع قاتل ومدمر صنعه في الأصل صدام حسين؟ ألم تكن الفديرالية التي اختارها الأكراد أنفسهم حلا من الحلول المؤقتة؟ لمَ اختيار الانفصال في عز ضعف العراق كدولة مركزية، أكلها الاحتلال وتأكل الحروب العرقية والدينية والاثنية الداخلية التي فرض جوا منها المحتل، ألم يكن من الأجدى مواصلة العمل بما هو متوفر ومناقشة القضية بهدوء وبصيرة في انتظار بلورة الأفضل؟ هل تكفي المساعدة المعلنة لإسرائيل، المشجعة على الانفصال، وتكوين دولة ستكون رديفا لإسرائيل من حيث المحيط، محاطة بالأعداء؟ العراق. إيران. تركيا. دولة مغلقة على نفسها. ألم يكن من الأجدى بناء عراق قوي، وضع مسألة الانفصال في سياق البرلمان ومناقشته بعمق مع مراعاة المصالح المشتركة. طرح الانفصال في سياق الأمر الواقع، معناه خطر الحرب، ولا شيء آخر، غير الحرب. المشكلة عالمية كم أظهرت في بداية هذا الحديث، أكثر منها مشكلة محلية تخص مجموعة بدأت ترى نفسها في موقع الاستقلال، مالكة للخيرات ويمكنها أن تتحرر من قيد الدولة المركزية، وليست في حاجة للعراق الكبير، ماذا لو لم يكن في المنطقة نفط. الحفاظ على سلامة البلدين في حالة الانفصال، يحتاج إلى جهود كبيرة وحوار طويل، محكوم بعقلانية تستهدف المصلحة العامة. يمكننا أن نتخيل الآتي في حالة عدم حل المشكلة النفطية التي لا تهم العراق وحده أو كردستان العراق وحده. يوجد حل ثالث غير الحرب أو البتر الذي لا يراعي المصالح المشتركة. عدم ترك كل شيء لأمراء الحرب من الذين يعمقون النعرات المتراكمة، الذين يعتقدون أن الانفصالات يمكنها أن تتم بقرار، وعدم ترك كل شيء بين أيدي غرب استعماري لا يهمه كثيرا مصير البشر.
مشكلة الانفصال عراقية ويجب أن تحلّ عراقيا. قد يكون ذلك يوتيوبيا في حاضرنا الذي تخترقه الحروب والأحقاد. الحل العنيف لا يخدم لا عراق اليوم، ولا عراق الغد الذي لا نعلم على أية صورة سيكون؟ ربما كان العراق تجربة نموذجية للتمزقات العربية اللاحقة التي ستأتي حتما على ما نفذ من حروب تدميرية غير مسبوقة، احتلالية كانت أو داعشية.




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071