[ kafapress.ma ] :: وجهة نظر نقدية: الشبع أولا أم الغناء ؟
Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الثلاثاء 16 يوليوز 2019 العدد : 3020




وجهة نظر نقدية: الشبع أولا أم الغناء ؟

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
صالح هشام **
فن وإعلام
| 11 يوليوز 2019 - 16:29

(تتشبع الكرش كتقول للراس غني ) كلام شعبي بسيط متداول في القاموس الشعبي المغربي بكثرة، فهو بسيط في تركيبه، عميق في دلالاته، لأنه يعالج قضية طالما شغلت الفلاسفة وعلماء النفس، وتتعلق القضية بعلاقة الجانب المادي والروحي في الإنسان ككائن مدرك بصفة خاصة، وسائر الكائنات الحية بصفة عامة٠

 فهذه القولة ( عندما يشبع البطن يقول للرأس غن) رائعة الحكمة بكل المقاييس، وروعتها تكمن  في عمق معناها، وجميل مغزاها، وبساطة تركيبها، فهي تكاد تلامس موضع الجرح من تفاعل جانبين أساسيين في شخصية الانسان: جانب مادي و جانب روحي؛ إذ يؤثر هذا في ذاك، ويتفاعلان تأثرا وتأثيرا٠ وهذان الجانبان لا يقتصران على الإنسان فحسب، وإنما يشملان جميع الكائنات الحية٠ فمن خلال هذا  التفاعل تتكون شخصية الإنسان، وتظهر في أبهى تجلياتها وفي أكمل صورها،  فالإنسان وهو يحلق في حياته اليومية أشبه با لطائرة في طيرانها، فمادامت الطائرة لا تقوى على التحليق مكسور أحد جناحيها، فالإنسان كذلك لا يمكنه أن يعيش بجانب دون جانب آخر.

فالتغذية المادية الفعالة لا تكتمل إلا بالتغدية الروحية، ولن أدخل -هنا - في مناقشة  هذه التغذية الروحية على المستوى  الديني، لأني أتركها لذوي الاختصاص، إذ يبقى هذا الجانب من أهم ما يحتاج إليه الإنسان لكونه منه يستمد راحته النفسية، وإنما  سأركز على التغذية  الروحية التي تتعلق بالفنون التعبيرية كما ورد في هذه القولة٠ هذه الفنون التي بدونها سيختل تحقيق التوازن، فيصاب الإنسان باضطراب قد  يخلخل شخصيته السوية٠

فالجانب الروحي والمادي متكاملان، يعضد أحدهما الآخر، فهذا المادي يعتبر  ديدن أسباب الحياة والوجود والبقاء بشكل عام، من إشباع للحاجيات المادية من أكل وشرب وتلبية للغرائز على اختلاف أنواعها، والتي فطر عليها الإنسان، وهو مؤثر بشكل كبير في سلوك الإنسان وتصرفاته وأنماط حياته، فكلما بالغ الإنسان في إشباع رغباته المادية، وتجاوز الحاجي منها إلى الكمالي، كلما تغير نمط حياته، وقد عبر عن ذلك ابن خلدون في مقدمته لديوان العبر والمبتدأ والخبر، إذ اعتبر انتقال الإنسان من الحاجي إلى الكمالي من أسباب العمران والمدنية٠

والحكمة في هذه القولة، تكمن في كون الرأس لا يغني إلا إذا شبعت البطن، فلا يتحقق الغناء إلا بتحقيق الشبع المادي، إذ لا يمكننا أن نطلب من فارغ المعدة أن يغني، ما لم نضمن له أسباب  الحياة أولا، ثم بعد ذلك يأتي دور الغناء والرقص فيكون إذن – وفق هذه القولة – الجانب المادي من الحاجيات، والجانب الروحي من الكماليات بهذا المفهوم٠

 ويمكن إجمال الجانب الروحي على المستوى الفني، في كل تلك الفنون التعبيرية التي تختلف من حيث الوسائل،  والأسباب،  والغايات، كما تختلف من حيث الأشكال والمضامين، فالرسم مثلا كشكل تعبيري يعتمد على مهارة الرسام في  خلط الألوان ومداعبة  الريشة، والرقص بحركات الجسد وكل أعضائه، على إيقاعات معينة ، والنحت كفرع من فروع الفنون المرئية،  يعتمد على  خلق المجسمات  وغايته مثل الرسم لا تخرج عن نقل مظاهر الحياة،  ومحاكاة الطبيعة في أبهى صورها وجمالها٠ والموسيقى وتعتمد كذلك على الأصوات والإيقاعات، ذات السكوت في فترات زمنية، وهي مؤثرة في نفس الكائن الحي بشكل كبير٠ وتختلف باختلاف الظروف والملابسات التي تعزف فيها، فموسيقى العساكر تستنهض الهمم وتذكي نار الحماسة في نفوس الجنود، وتختلف عن الموسيقى التي تعزف في الأعراس مثلا٠

وترتبط الموسيقى ارتباطا يكاد  يكون عضويا بالغناء  والرقص، إن بشكل مباشر أو غير مباشر٠ ويمكن أن نعطي أمثلة بسيطة عن هذا التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي، ففي مجال الموسيقى والغناء  يتجلى – مثلا- في كون إيقاعات الحادي تجعل العيس تبالغ في المشي، فتعبر الصحاري دون كلل أو ملل٠ والأغنام تمعن في الرعي والشرب عندما تطربها شبابة الراعي وتنتشي بأنغامه،  والطفل يعزف عن الأكل، فتغني  له أمه أنشودة أو أغنية، فيطرب لسماعها طرب السكران بلا سكر، فتعود إليه حيويته ونشاطه  ورغبته فيقبل على التهام الطعام . وقس على ذلك بالنسبة  لباقي أجناس الفنون التعبيرية  الأخرى، كالمؤدى بالكلمة كما هو الشأن للأدب بفرعيه : بشعره ونثره . وهذا التأثر والتأثير كما سبق يظهر حتى في نفسيات الكائنات الحية الأخرى، فعندما يجف النهر ويغيص ماؤه، تخبو فيه كل أسباب الحياة، فتعمه الكآبة فتنقطع الشحارير عن التغريد والغناء، و تهمد شطحات الصراصير، وتهجره الضفادع، ويتلاشى نقيقها، وتنعق في ربوعه الغربان أنشودة الخراب٠

يؤثر نقصان ماهو مادي على ما هو روحي  أو ما هو  تعبيري، وهذا راجع للارتباط الوثيق بينهما، إذ يكمل بعضهما الآخر، لكن العزف والغناء سيستأنف  بعد حين، عندما تزهر الورود، وتورق الكروم،  ويمتليء النهر بماء الحياة حتى التخمة٠ وما قيل عن هذه الكائنات الحية، يقال وبتركيز على الإنسان، فهو -بدوره - يخضع لهذه الجدلية بين الجانبين، فاختلال الجانب المادي يؤثر سلبا على الجانب الروحي للإنسان٠ نلاحظ  في هذه القولة الرائعة ( تشبع الكرش تقول للرأس عن) أن الغناء يتوقف على تلبية الحاجات المادية قبل كل شيء، لكن   إذا طغى الجانب المادي على الإنسان يختل توازنه، فتتشظى ذائقته وذوقه الجمالي الذي ترتبط به الفنون التعبيرية ارتباطا وثيقا، نظرا لكون الذوق والذائقة من أهم أسباب  استساغة ما من شأنه إشباع حاجيات الإنسان الروحية من كل ما هو فن راق جميل، يرفع  الإنسان درجات، ويمنحه التغذية الروحية الناجعة، والتي اختلف في شأنها، إذ هناك من لا يعتقد بضرورتها، لكننا نعتقد العكس: فمنذ فجر التاريخ، والإنسان يبحث عن أسباب ووسائل إشباع حاجياته الروحية، ففكر، واعتقد،  وغنى ورقص، فطرب، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن هذه الفنون التعبيرية ستكون وليدة عصر من العصور، أو فترة زمنية من الفترات٠ لكن يبدو أنها تختلف من حقبة إلى أخرى من حيث تطور الوسائل وطرق التعبير، أما الجوهر فانه يبقى تابثا،  يخترق بشكل من الأشكال، الأزمنة والعصور، ويعبر الحدود الجغرافية عبر الزمن٠  فما استغنى  الإنسان يوما عن إشباع  جانبه الروحي، واكتفى بما هو مادي.

 أعتقد أن الرغبة في هذا الإشباع الروحي هي العمود الفقري لأي إبداع بشري كيفما كانت أنواعه وضروبه، واختلفت ملابساته التاريخية، سواء  كان خلقا أو كان تقليدا للطبيعة، أوالمحيط الذي يعيش فيه٠ فقد عشق  الإنسان الدندنة، فكانت الموسيقى، فأثرت في نفسه تأثيرا كبيرا، فتمايل وترنح، فكان الرقص، وعشق تمثل مظاهر الطبيعة، وأغرم بجمالها حد الجنون، فكان الرسم والنحت، وكانت الحديقة، وكانت المزهرية كذلك في البيت، ورغب في التحليق بعيدا عن واقعه الذي يضيق به درعا، فكانت الكلمة التي جسدها في أرقى أنواع التعبير عن هذا الجانب الروحي فكان الأدب، وكان الشعر، وكان النثر بمختلف ألوانه وأشكاله٠

أظن أن تغليب جانب على آخر، يمكن أن يحدث شرخا كبيرا في نفس الإنسان٠ وما دام الاستغناء عن كل ماهو مادي أمرا مستحيلا، فإن الانسياق وراء هذه الماديات قد يؤدي إلى تدمير الإنسان بخروجه من دائرة القيم التي تحكم سلوكاته وتصرفاته في مجتمعاته، نلاحظ أن هذه المعضلة استفحلت في عصرنا الحديث،  فاستحوذت على إنسان  العصر، عصرالتقدم العلمي والتكنلوجي، الذي طغى بشكل منقطع النظير، فضعف مستوى الذوق، واختلت الذائقة الفنية، وغاب الوازع الديني فعاثت الجريمة في البلاد والعباد فسادا.

نؤمن بأن لكل عصر رجاله، ولهم وذائقاتهم وأذواقهم، ولا يمكن أن يعيش الخلف في عباءة السلف، لكن التمادي في الماديات بدأ يؤثر بشكل سلبي على كل  هذه الفنون التعبيرية، إذ أصبحنا في عصر السرعة وانتشار المعلومة كوميض البرق، ندبر كل أوقاتنا في كل ما هو مادي، ونحني الرأس للسرعة التي تجتاحنا بطريقة جنونية، فتمكنت منا تمكن الحزام من الخصر، فكانت النتيجة تضرر هذه الفنون التعبيرية بشكل كبير،  فتقزمت القصيدة  الطويلة  إلى شذرات أو نتف شعرية، قد تشبع جوع إنسان مستلب بالسرعة، لأنه أصبح عاجزا تماما عن قراءة القصيدة الطويلة، وقس على ذلك بالنسبة لباقي الفنون الأخرى، فأصبحت القصة القصيرة جدا تنافس القصة القصيرة، والقصة القصيرة تنافس الرواية، ثم ظهرت  فنون جديدة نتيجة هذه السرعة كالومضة  أو الشذرة أو ما شابه ذلك، وربما في القريب القريب جدا، سنبدع الميكروقصة والمكروقصيدة، لأن الفنون التعبيرية الجديدة – رغم أنها تخلو في كثير من الإحيان من التغذية الروحية - تواكب هذه السرعة الجنونية التي تكاد تكسر الرقبة، وعدم مواكبة هذه الفنون التعبيرية بجميع  أنواعها لهذا الإفراط في السرعة، يعني زوالها وانقراضها في القريب، إذ سنصبح كالطائر مكسور الجناح،  نحلق بجناح واحد، فالقصيدة أو القصة أو الرواية من حيث   الأهمية أصبحت كالوجبة السريعة (السندويتش)، أما الوجبة الدسمة فلم يعد لها وجود في قاموسنا الذوقي المحكوم بالسرعة المفرطة في كل أنماط الحياة٠

لقد أصبحنا نكتفي بقراءة العناوين، وفي أحسن الأحوال نقرأ البدايات والنهايات  في كل الفنون التعبيرية٠ لم يعد لنا الوقت الكافي لنكمل قصيدة أو شريطا سنمائيا أو قصيدة شعرية، أما قراءة كتاب فهذه مستبعدة،  إلا ما قل من  قراء ما زالوا يحملون هذا الهم المعرفي٠ أهي السرعة- إذن- والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي اجتاح كل مناحي حياتنا، أصبح متحكما حتى في وسائل التعبير عن جانبنا الروحي؟ إذ نلاحظ أنه ساهم في خلق ذوق خاص، ومتلق خاص، ومبدع خاص، فالذوق لم يعد يميز الألوان والأشكال، فتساوت في بؤبؤ العين كل ألوان قوس قزح، وأصبح المبدع الحقيقي مجبرا على مسايرة ركب التقدم الحضاري والتكنولوجي والسيطرة المادية، فيبدع -دون اقتناع - ما يلبي حاجيات متلق من طينة خاصة، تحكمه السرعة، هذا  المتلقي الذي أصبح يفرض شروطه الخاصة لقراءة نص أدبي، أوالاستماع إلى أغنية، أو قطعة موسيقية، وإن افتقرت إلى الجماليات الفنية والروحية٠

أصبح المتلقي محكوما بهذه المعضلة الخطيرة ( تغليب الجانب المادي على الجانب الروحي) مرة قيل لي:  لماذا لا تختصر قصصك؟ لماذا لا تكتب قصصا يستطيع القراء قراءتها ؟ فالطول يعوق القراءة، لأنها تحتاج إلى مجهود، ونحن في غنى عن بدل أي مجهود٠ ومرة قيل لي: إن نصوصك ومقالاتك طويلة جدا، ولا تصلح  للنشر الالكتروني٠ 

استنتجت أن المبدع  فأصبح  تحت رحمة شروط القاريء السريع، الذي لا يستمع إلا للقطعة الموسيقية السريعة، ولا يقرأ إلا الشذرة السريعة، ولا يأكل إلا الوجبة السريعة، فما كان طويلا من إبداع أولى به سلة المهملات٠  من خلال هذا المنطق السريع، وهذا التفكير السريع، في هذا العصر السريع، يتضح لنا جليا مدى اختلال التوازن بين الجانبين: المادي والروحي في الانسان، إذغلبنا أحدهما – اضطرارا- على الآخر.

* ناقد




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071