[ kafapress.ma ] :: التدبير بالنتائج .. المغرب والرهان
kafapress.com cookies
يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.      قبول      التفاصيل
Hautأعلى الصفحة
الرئيسية
الجمعة 28 فبراير 2020 العدد : 3248


التدبير بالنتائج .. المغرب والرهان

C??EC?E    ?IE? ?I??C    FaceBook      
عبد السلام انويكًة
تحليل
| 18 يناير 2020 - 9:15

بات من الاستراتيجي في زمن رقمي بامتياز وتدفق معارف ورهان تجويد وجودة وغيرها، العمل من أجل نتائج ملموسة رافعة للنماء ومساهمة في حل مشكلات من خلال وضعيات. ولعل النتائج هي ما هو نماء وتغيير قابل لقياس ووصف، باعتباره نتاج تنزيل أنشطة ما وفق مراحل معينة ما. ولا شك أن التدبير بالنتائج سبيل إداري يروم فاعلية وكفاية أداء من خلال تحديد متوقع منها، بناء على أهداف ينبغي أن تكون بواقعية وقابلية للتحقق في حدود إمكانات متوفرة، ومن خلال مدخلات وأنشطة ومخرجات ناهيك عما هو بيئة محيطة بمثابة مكون إضافي مؤثر. والتدبير بالنتائج أو المتمحور حول النتائج تجنباً لأي لبس، حديث عن أسلوب عمل أبان عن نجاعته في عدد من المجالات منذ عقود في دول الشمال. بقدر ما هو عليه من تقاطع مع نماذج مجاورة أحيطت باهتمام معبر في الوسط التربوي بالمغرب منذ حوالي العقدين، بقدر ما يبقى بنوع من التميز لفاعليته ودقته وحصيلته، لِما يعتمده من مساطر منهجية ذات أهمية وصدقية من خلال تتبع وانجاز مهام وقراءة نتائج مؤسسات بناء على معايير ومؤشرات.

وكان من دوافع اعتماد أسلوب التدبير بالنتائج ما سجل من قِبل باحثين وفاعلين ومسؤولين، من هشاشة ذات طبيعة انتاجية وضعف مداخيل مؤسسات ووحدات وغيرها. فضلاً عما بات من حاجة متزايدة لخدمات أساسية تجمع بين صحة وتعليم وسكن وبنيات تحتية وغيرها، إضافة لِما حصل من اتساع رأي ونقد وتتبع لجميع ما هو قطاع عام في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقديم الحساب. وإلى جانب ما طبع فعل التدبير العمومي من تحولات وصعاب كانت بأثر في تعقيد الأمور، عمق ترابط المؤسسات ومن خلالها علاقات دول من سؤال النتائج، ناهيك عما سجل من غنى قانوني واتساع وعي مجتمع وتحولات سياسية وثقافية واقتصادية، وما أفرزته عولمة سوق وانتاج وموارد... دفعت لتركيز أكثر على ما هو فعل وممارسة وإنجازات بعيداً عما هو شفويات.

والتدبير بالنتائج كمسار خيار ورهان يمكن الحديث فيه عن فترات باهتمامات متباينة طبعته منذ سبعينات القرن الماضي، بحيث الى غاية ثمانينات هذا الأخير كان هناك تدبير بأهداف في علاقة بترشيد اختيارات ميزناتية، قبل الانتقال خلال فترة التسعينات للحديث عن تجويد وجودة وعن تدبير بنتائج بات مقاربة متبناة من قبل التعاون الدولي. مع أهمية الاشارة لِما ارتبط بهذا الأسلوب في التدبير مع بداية الألفية الثالثة، وخاصة حدث قمة الألفية التي حضرتها حوالي مائتي دولة عضو في منظمة الأمم المتحدة اتفقت على إنعاش نماء أكثر فاعلية واستدامة. إضافة لما تم تداوله في مؤتمر منتيري بالمكسيك وما طرح في مائدة واشنطن المستديرة 2002، فضلاً عما عقد هنا وهناك من لقاءات استهدفت النتائج في مجال التنمية، ومنها لقاء مراكش وما تضمنه من ثقافة التزام بإنعاش تشارك دولي في أفق توسيع وعاء التدبير بالنتائج في في هذا الإطار. هذا قبل ما يعرف في الأوساط المعنية بالتعاون من أجل التنمية بإعلان باريس، الذي تقاسمته جملة مبادئ تم تبنيها جمعت بين تعميم عمل تنزيل وتفعيل ثقافة التدبير بالنتائج وبين تحمل مشترك للمسؤولية حولها. إضافة إلى ما خلص إليه حول ربط أداء مساعدات دولية بدرجة انتقال إلى تدبير بالنتائج، ما بات رهيناً بتقوية قدرات وما أقرته مائدة مستديرة عقدت في هانوي 2007.

وفي علاقة بهذا الإطار الدولي وهذه الرؤية تجاه عمل تدبير بالنتائج، تجدر الإشارة الى أن المغرب شارك في جميع اللقاءات الدولية حول التنمية ذات الصلة. بل التزم بتوطين هذا الأسلوب في التدبير منذ بداية الألفية الثالثة وفق دورية للوزير الأول في دجنبر 2001، فضلاً عن إقدامه على إرساء قواعد معنوية ومادية لمجتمع برهان حداثة ودمقرطة ذات طبيعة استشرافية. مع انتقال لإجراءات استهدفت تحقيق اندماج من أجل بيئة منسجمة رافعة لهذا التحول، منها ما حصل من مقاربة ميزانياتية (مالية) مبنية على مساءلة مدبرين ودرجة التزاماتهم بما هو إنجاز ونتائج، عبر برمجة لعدة سنوات مع شمولية اعتمادات وتعاقد مثلما جاء في قانون مالية 2007.

وكان المغرب خلال السنوات الأخيرة على إيقاع رهان تحديث إداري جاء في سياق إصلاحات دستورية وما فرضته مستجدات سياسية واقتصادية واجتماعية، لخلق تدبير مؤسس على حكامة وتقاسم لأدوار ومسؤوليات ومهام بين فاعلين عموميين، في أفق قطيعة مع مقاربات تقليدية تخص تدبير شأن عام كثيراً ما تفتقد لرؤية واضحة .وعليه، بادر لتأسيس حكامة جيدة في مجال التدبير باعتماد مقاربة بالنتائج، مع وضع إدارة هادفة في مقدمة ما يجب أن تسعى لتحقيقه سياسات إدارية من غايات، لإحلال روابط ثقة بين إدارة ومواطن ولإرساء علاقات جديدة مع قطاع خاص في أفق شروط مناسبة لمقاولة مغربية واجنبية أكثر إسهاما في التنمية.

ووعيا منه بأهمية تحديث منظومة تدبيره العمومي وعقلنته، انخرط المغرب في تفعيل إدارة تأخذ بعين الاعتبار النتائج أساساً، سعياً منه لتطوير وترشيد أساليب تدبير اداري ومالي وانتقال من ثقافة تدبير تقليدية تقوم على وسائل إلى ثقافة أكثر استحضاراً لنتائج وتغيرات، كذا المساهمة في دعم أسس حكامة ادارية مؤسسة على تعاقد ومسؤولية وشفافية. وفي إطار مواجهته لعولمة اقتصاد وفي أفق تحسينه لظروف حياة مواطنين واستفادته من مساعدات خارجية، أطلق المغرب منذ تسعينات القرن الماضي سلسلة اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية باعتماد أساليب تدبير حديثة، منها اصلاح نظام تربية وتكوين من خلال ميثاق وطني كذا إرساء لامركزية/لاتمركز مع برنامج استعجالي ورؤية استراتيجية ثم اصلاح ميزانياتي.

وقد اعتبر المغرب نموذجا للإصلاح في العالم العربي، لكونه اختار بنفسه تبني رزنامة إصلاحات محدداً استفادته من اعانة خارجية كهدف له فضلاً عما ورد حول كون ما حصل من جدول اصلاحات لم يفرض عليه من أية جهة أجنبية. ولم تستهدف مجهودات المبادرة المغربية في مجال التعاون الخارجي انطلاق عملية الإصلاحات في البلاد، بقدر ما استهدفت مساندة وتشجيع برنامج اصلاحي بادرت به واليه الحكومة المغربية، ولعل من الاصلاحات التي أثارت الانتباه هناك نظام التربية والتكوين والاصلاح الميزانياتي. وفي هذا الإطار كان تقرير اليونسكو حول مشروع التتبع المستمر للتربية للجميع على هامش مؤتمر داكار في أبريل 2000، قد أشار إلى أن المغرب هو بعجز كبير في مجال التربية الأساسية مع ضرورة تدخل مستعجل لمحاربة الفقر والأمية وعدم تعميم التمدرس، وهو ما كان على وعي به ويستعد لمواجهته بدليل رسالة ملكية حول التربية في 2 فبراير 1999.

هكذا جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين بجزأين متكاملين، الأول منهما مبينا لمبادئ رئيسية لنظام التعليم والتكوين وغاياته الكبرى وحقوق وواجبات مختلف الشركاء والتعبئة الوطنية اللازمة لإنجاح الإصلاح، أما الثاني فقد جمع ستة مجالات للتجديد شملت تسعة عشرة دعامة للتغيير. وجاء إرساء لا مركزية ولا تمركز من خلال القانون 00-07 في 19 مايو 2000 المتعلق بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، كمؤسسات ذات شخصية معنوية واستقلالية مالية خاضعة لوصاية الدولة ومراقبة ماليتها المطبقة على المؤسسات العمومية بمقتضى تشريعات جاري بها العمل. فضلاً عما ارتبط بمرسوم 376.02.2 في 17 يوليوز 2002 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بالمؤسسات التعليمية، وبإحداث مجالس تدبير على مستوى كل مؤسسة وإناطة المسؤولية بالأساتذة والآباء.

وإذا كانت الميزانية الموضوعة رهن إشارة الحكومة هي الأداة الأكثر أهمية من أجل بلوغ الأهداف والنتائج التنموية في البلاد، وأنها تشكل ترجمة لتوجهاتها وسياستها الاقتصادية والاجتماعية وأولوياتها، وللمجهود المالي الذي يبذل لتنفيذ سياسات قطاعية كما الشأن التربوي التعليمي. فإن هدف الإصلاح الميزانياتي هو استجابة لجملة حاجيات لعل منها احترام توازنات مالية وإرساء شفافية وترشيد نفقات عمومية، كذا البحث عن فعالية ونجاعة ادارية مع ملائمة مسلسل تدبير ميزانية مع إطار لا تركيز فضلاً عما هناك من سياق دولي ووطني ذو صلة.

ومن هنا أولاً سؤال مقاربة المغرب الجديدة للميزانية التي استهدفت تعويض منطق وسائل بمنطق نتائج، علماً أن الأول هو ما كان معتمداً سابقاً بينما الثاني فهو المنشود. وثانياً سؤال مضمون الإصلاح الميزانياتي الذي جاء مصمماً بطريقة مترابطة وشاملة وفق ثلاثة أبواب كالتالي، إعادة هيكلة الميزانية واعتماد تصنيفة جديدة لها على أساس برامج (شمولية اعتمادات وتحديد اهداف ونتائج ومؤشرات) جندرتها (بحسب فترات وسير عمل ونتائج..) فضلاً عن التعاقد، وضع إطار لنفقات متوسط المدى، ثم اصلاح شامل لمراقبة نفقات عمومية من خلال تخفيف المراقبة القبلية على الالتزام بها. وذلك من أجل تكييفها تبعاً لنضج مراقبة داخلية ودعم قدرات تدبير، كذا تعزيز المساعدة الاستشارية للآمرين بالصرف من قِبل وزارة المالية وانشاء مراقبة مصاحبة، وتوحيد وتسهيل إجراءات تنفيذ النفقات وإرساء تدبير مندمج لها وتنمية افتحاص الأداء.

وفي علاقة بالتدبير بالنتائج وفهماً لمبادئه ومفاهيمه، من المفيد استعمال مفاهيم أساسية ومصطلحات وأدوات تخص هذا الأسلوب، وبناء سلسلة نتائج واختيار مؤشرات المردودية وتعريف المخاطر وتقييمها واتخاذ تدابير للحد منها، مع تعميق مفهوم تقديم الحساب وخلق إطار للتتبع وللمردودية. ولعل من أسس التدبير بالنتائج هناك أولاً مسؤولية ضمان مناخ عمل يكون فيه البحث عن نتائج وعمل مشترك ومحدد بوضوح، ثانياً شفافية تقوم على تقاسم أفضل للمعلومات وتوثيق أحسن للقرارات، فضلاً عن شراكة تنبني على تعاون مع متدخلين عبر توافق معهم. مع أهمية الإشارة من أجل تنزيل مفيد لهذا الأسلوب في التدبير إلى ما هناك من أهمية للتبسيط لتسهيل الأجرأة، ومن قيمة لتعلم ميداني عبر الانجاز واعادته في إطار تصحيح مشاريع وبرامج ومخططات ضمن اتقان متدرج في أفق تعميم تطبيق إذا سمح الأمر بذلك.

إن صعوبة ضمان تحقيق نتائج من تدخلات ما جزئياً أو كلياً، هو ما كان وراء الحاجة للسؤال والتتبع والتقييم وفق مراحل لقياس درجة تحول وإنجاز محدث باتجاه محدد مؤمل على المدى القصير والمتوسط والبعيد. مع ما يقتضيه الأمر من مقارنة بين المنجز وما هو مخطط له، كذا تحديد الانحرافات وتفسيرها واتخاذ ما ينبغي من وقاية وتصحيح لازم لضبط الأداء. ولا شك أن كل هذا وذاك بحاجة لمنهجية عمل واضحة، تروم تحقيق نتائج وتغييرات تنموية وليس متابعة تنفيذ أنشطة وإنتاج مخرجات وتقديم خدمات ما فقط. ولعل هذا هو ما جعل خيار التدبير بالنتائج كمقاربة يحظى باهتمام كبير لدى عدد من الجهات، في علاقته طبعاً بمحدودية موارد وعدم فاعلية تدخلات تزايد حولها تركيز على سؤال ومساءلة وتقديم حساب.

*باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس مكناس




مواضيع ذات صلة


الاتصال بنا

© جميع الحقوق محفوظة 2011
جريدة إلكترونية مستقلة تصدر عن الشركة kafapresse - S.A.R.L
الإيداع القانوني طبقا لقانون الصحافة والنشر المؤرخ بتاريخ 10غشت 2016: عدد 1 - 017 ص ح
Patente : 25718014 - RC : 104901 - I.F : 3370680 - CNSS : 4111829 - ICE : 001799721000071