أغنى الشيخ الصادق العثماني، الأمين العام لـ "رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية"، المكتبة الإسلامية الناطقة بالبرتغالية بإصدار فكري جديد تحت عنوان "Filosofia do Jejum no Islã" (فلسفة الصيام في الإسلام). ويأتي هذا العمل في توقيت استراتيجي يتسم بتصاعد الاهتمام العالمي بالحوار الحضاري، وضرورة تقديم جوهر الإسلام وقيمه الإنسانية بعيداً عن القراءات السطحية أو الصور النمطية، مستهدفاً جمهوراً واسعاً في البرازيل ودول أمريكا اللاتينية بمختلف خلفياتهم الثقافية والدينية.
ويقدم المؤلف في هذا الكتاب رؤية تجديدية تتجاوز المفهوم التقليدي للصيام كامتناع مادي عن الطعام والشراب، ليطرحه كمنظومة تربوية متكاملة تهدف إلى صياغة الإنسان روحياً وأخلاقياً ونفسياً. فالصيام، من منظور العثماني، هو "مدرسة للذات" تُنمي ملكة الصبر وتُرسخ الوعي الوجودي، مما يساعد الفرد على إعادة ترتيب أولوياته في ظل ضجيج الحياة المعاصرة، مع التركيز على الأبعاد المقاصدية التي تجعل من هذه العبادة وسيلة لتهذيب السلوك وتوازن الشخصية وتفاعلها الإيجابي مع المحيط الاجتماعي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، يبرز الكتاب دور الصيام كأداة فعالة لتعزيز روح الجماعة وتقوية روابط التضامن الإنساني. ويوضح المؤلف كيف يتحول شهر رمضان إلى فرصة سنوية لإحياء قيم الرحمة والتكافل، مما يخرج التجربة من إطارها الفردي الضيق إلى فضاء جماعي رحب يقوم على الاحترام المتبادل والعطاء. ويكتسب هذا الطرح أهمية مضاعفة في السياق اللاتيني المتعدد الثقافات، حيث يفتح الكتاب نافذة للقارئ غير المسلم لاستكشاف فلسفة التشريع الإسلامي بروح علمية وفكرية تحترم الخصوصيات اللغوية والثقافية للمنطقة.
وحرص الشيخ الصادق العثماني في صياغة هذا الإصدار على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، مستخدماً لغة برتغالية دقيقة وسلسة خضعت لمراجعات علمية رصينة لضمان وصول الرسالة بوضوح. ولا يقف أثر الكتاب عند الحدود الدينية الصرفة، بل يمتد ليصبح مساهمة فكرية في النقاش الدائر حول القيم الروحية في عالم مادي متسارع، مقدماً الصيام كآلية لاستعادة التوازن المفقود بين متطلبات الجسد واحتياجات الروح والعقل.
ويعد صدور كتاب "Filosofia do Jejum no Islã" لبنة أساسية في مشروع الشيخ العثماني الهادف إلى ترسيخ الفهم الوسطي للإسلام ونشر المعرفة الرصينة في القارة اللاتينية. وهو عمل يعكس الدور الريادي في مد جسور التواصل الثقافي وتعزيز قيم العيش المشترك، ومن المتوقع أن يلقى صدى واسعاً لدى النخب الفكرية والقراء العامين، نظراً لما يحمله من عمق فلسفي وأبعاد حضارية إنسانية شاملة.






