منذ أكثر من أربعة عقود، ظل مضيق هرمز واحداً من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية وهشاشة في نظام الطاقة العالمي. فقرابة خُمس تجارة النفط في العالم تمر عبر هذا الممر البحري الضيق الذي يفصل إيران عن شبه الجزيرة العربية. وكل ناقلة نفط تغادر السعودية أو الكويت أو قطر أو العراق أو الإمارات لا بد أن تعبر هذا المضيق قبل أن تصل إلى الأسواق العالمية. هذه الحقيقة الجغرافية جعلت من المضيق أحد أقوى أوراق النفوذ الجيوسياسي في العالم.
منذ الثورة الإيرانية سنة 1979، ظل احتمال إغلاق مضيق هرمز حاضراً في الخطاب الاستراتيجي لطهران. فقد لوّح القادة الإيرانيون مراراً بأنه في حال تعرض البلاد لضغوط عسكرية أو اقتصادية كبيرة، فإنهم قد يعمدون إلى تعطيل حركة الملاحة في المضيق أو إغلاقه. ورغم أن مثل هذه الخطوة ستكون لها تداعيات خطيرة على إيران نفسها، فإن مجرد التهديد بذلك كفيل بإحداث اضطراب في أسواق الطاقة العالمية ورفع أسعار النفط بشكل فوري.
بالنسبة لدول الخليج والولايات المتحدة، لم يكن هذا الخطر نظرياً في أي وقت من الأوقات، بل ظل جزءاً من المعادلة الاستراتيجية للمنطقة. فالبنية التحتية النفطية في الخليج بُنيت أساساً حول الحقول الكبرى الموجودة في شرق السعودية والكويت وقطر والإمارات. ومن هذه الحقول، يبقى الطريق الطبيعي نحو الأسواق العالمية عبر الخليج العربي ثم مضيق هرمز. هذا الاعتماد الجغرافي خلق نقطة ضعف بنيوية ظلت تؤثر في جيوسياسية الطاقة لعقود طويلة.
لمواجهة هذا الخطر، تم تطوير بعض المسارات البديلة لتجاوز المضيق. ومن أهم هذه المشاريع خط الأنابيب السعودي شرق–غرب الذي يربط حقول النفط في المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر. ويتيح هذا الخط للسعودية تصدير نفطها إلى الأسواق العالمية دون المرور عبر مضيق هرمز. كما أنشأت الإمارات خط حبشان–الفجيرة الذي يسمح بنقل النفط من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على بحر عُمان، خارج نطاق المضيق الضيق.
هذه المشاريع تمثل استثمارات استراتيجية مهمة، لكنها لا تزال غير كافية مقارنة بحجم تدفقات الطاقة العالمية التي تمر يومياً عبر مضيق هرمز. فحتى عند تشغيل هذه الأنابيب بكامل طاقتها، فإنها لا تستطيع تعويض الكميات الضخمة من النفط التي تُصدَّر عبر المضيق. وبمعنى آخر، لا يزال نظام الطاقة العالمي يعتمد بشكل كبير على نقطة اختناق جغرافية واحدة.
والدرس الاستراتيجي هنا واضح: لا يمكن لأمن الطاقة أن يعتمد على ممر واحد فقط. فالنظام الأكثر أماناً يتطلب شبكة أوسع من خطوط الأنابيب تربط دول الخليج بمسارات تصدير بديلة. ويمكن نقل النفط والغاز غرباً نحو البحر الأحمر، أو شمالاً نحو البحر المتوسط، أو عبر شبكات إقليمية مترابطة تصل إلى موانئ تصدير متعددة. مثل هذا التنويع من شأنه أن يقلل بشكل كبير من التأثير الجيوسياسي لأي نقطة اختناق واحدة.
إن التوترات الحالية في الشرق الأوسط تعيد تسليط الضوء على هشاشة النظام الحالي. فمضيق هرمز ليس مجرد قضية أمنية إقليمية، بل يمثل خطراً اقتصادياً عالمياً. وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه سيؤثر فوراً في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية في مختلف أنحاء العالم.
في النهاية، وضعت الجغرافيا قوة استراتيجية هائلة في ممر بحري ضيق للغاية. والسؤال الحقيقي في العقود القادمة هو ما إذا كانت الدول المنتجة للطاقة والقوى الكبرى ستستمر في قبول هذه الهشاشة، أم أنها ستعيد تصميم البنية التحتية للطاقة العالمية لتقليل اعتماد العالم على واحدة من أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي.






