القارة العجوز تدخل مرحلة شيخوخة ديموغرافية خطيرة، وأسواق الشغل في دول كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا تعاني خصاصا متزايدا في اليد العاملة، سواء في الفلاحة أو الصناعة أو الصحة أو الخدمات. ورغم ذلك، يواصل السياسيون تقديم المهاجر باعتباره تهديدا للهوية والأمن والاستقرار، بدل الاعتراف بأنه أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية.
الواقع أكثر وضوحا من كل الخطابات الشعبوية. إسبانيا، بقيادة حكومة اشتراكية، قررت تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين لأن اقتصادها يحتاج إليهم.
جورجيا ميلوني القادمة من اقصى اليمين حكومتها المعروفة والمعروفة بخطابها المعادي للهجرة، اضطرت بدورها إلى تسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، لأن الاقتصاد الإيطالي لا يستطيع الاستمرار بدونهم.
وهنا تظهر أكبر مفارقة في أوروبا اليوم: السياسيون يهاجمون الهجرة أمام الكاميرات، ثم يفتحون الأبواب للمهاجرين في صمت عندما تصرخ الشركات والمصانع والمزارع طلبا لليد العاملة.
الاتحاد الأوروبي يعيش حالة نفاق سياسي واضحة. فمن جهة، يتحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية والقيم الإنسانية، ومن جهة أخرى يناقش إنشاء مراكز لاحتجاز المهاجرين خارج أوروبا، في بلدان فقيرة أو غير مستقرة، فقط لإبعاد المهاجرين عن الأنظار وإرضاء اليمين المتطرف.
هذه السياسة ليست حلا للهجرة، بل محاولة لتصدير الأزمة الأخلاقية الأوروبية إلى الخارج. أوروبا تريد أن تستفيد من العمال المهاجرين عندما تحتاجهم، لكنها لا تريد رؤيتهم في شوارعها أو الاعتراف بحقوقهم الإنسانية.
والأخطر من ذلك أن أوروبا بدأت تتحول تدريجيا إلى قلعة مغلقة، تتعامل مع الإنسان المهاجر كخطر أمني لا ككائن بشري يبحث عن فرصة حياة أفضل. الحديث عن “مراكز العودة” وعمليات الترحيل الجماعي والتفاوض مع أنظمة أو جماعات متطرفة لإعادة اللاجئين، يكشف إلى أي حد أصبح الخوف الانتخابي أقوى من المبادئ التي تدّعي أوروبا الدفاع عنها.
اليمين المتطرف نجح في فرض منطقه على النقاش السياسي الأوروبي. اليوم، حتى الأحزاب التقليدية أصبحت تتبنى خطابا متشددا تجاه الهجرة خوفا من خسارة الأصوات. لكن هذه السياسات لن توقف الهجرة، لأن أسبابها الحقيقية ـ الفقر، الحروب، عدم المساواة، والتغير المناخي ـ ما تزال قائمة.
أوروبا تحتاج إلى المهاجرين أكثر مما يحتاج المهاجرون إليها. هذه حقيقة اقتصادية وديموغرافية لا يمكن الهروب منها. العمال المهاجرون يساهمون في تمويل أنظمة التقاعد، ويملؤون الوظائف التي يرفضها كثير من الأوروبيين، ويحافظون على دوران الاقتصاد في قطاعات حيوية.
بدل بناء مراكز احتجاز وأسوار نفسية وسياسية، كان على أوروبا أن تبني سياسة هجرة عقلانية وإنسانية، تعترف بحاجتها الفعلية للمهاجرين وتنظم وجودهم بشكل قانوني وعادل.
الهجرة ليست كارثة على أوروبا كما يصورها اليمين المتطرف، بل قد تكون آخر فرصة لإنقاذ اقتصادها ومستقبلها الديموغرافي. المشكلة ليست في المهاجر، بل في السياسي الذي يستعمله كورقة خوف انتخابية.






