تحليل

مؤتمرات أم مؤامرات بعض الأحزاب

إدريس الأندلسي

على هامش مؤتمر لحزب الأصالة و المعاصرة

دخل الوحل إلى المحل و أصبح المرور إلى الكتاب و الحقيقية و السمو و الانضباط  و الأخلاق يتطلب التسلح  بكثير من الإيمان بالفعل غير القابل للبيع  و الشراء و الذي يصنع قطيعة صلبة بين تجارة بالسياسة و بالدين و بكل الايديولوجيات و ممارسة السياسة. 

صدقت يا بن خلدون، لقد اخطلتت السياسة بالتجارة  وأصبحت مقرات الأحزاب سوقا لبيع التزكيات،  و الافتخار بالعضو الوافد الغني  والاستهزاء بذلك المناضل الذي وهب حياته من أجل تغيير علاقات سلطوية  و مجتمعات متخلفة.

المؤتمرات أصبحت غير حزبية.  لا يسبقها مسلسل انتخاب المناديب  و بناء المشاريع السياسية.  المهم فيها أن يتم تجييش بعض الناس ، ولا أقول المناضلين،  و إختيار ممون خدمات له شركة  تضمن  الأكل  و خصوصا حضور أصحاب أجسام ضخمة يكلفون ” بالأمن ”  ويضعون رهن إشارة الزعماء موسيقى صاخبة  و مقرئ آيات من الذكر الحكيم  و حتي بعض الأصوات التي تنشد شعارات يسارية في حفل يميني بامتياز  و تميز في إختيار نخب صنعها المال  و صنعت واقعا جديدا بعيدا  عن ثقافة التغيير.

مناسبة هذا الكلام مؤتمر لأكثر حزب سياسي جديد أثار كثيرا من الجدل  و النقاش في بلادنا.  و رغم مرور عقد من الزمن على أخذه تسمية لا زالت غريبة على المشهد  و هي ” الأصالة  و المعاصرة،  لا زال الكلام عن ” وافد جديد” أو  “حزب مستشار” انسحب من رئاسته أو  حزب:  “خلق لمواجهة حكومة اسلاميين  ” تمت الاطاحة بهم،  أو حزب لدخلاء على السياسة لم  و لن يفلت بعضهم من محاسبة قضائية. 

و لك الله  و عزم ملك البلاد يا وطني. أما  الشعب و بالرغم  ممن  يدعي أنه يمثله، فلا هم له سوى مواجهة أعباء الحياة وحيدا هشا ومعزولا أمام عاديات الزمن.  و لكن أشكال الدفاع عن الحقوق اتخذت أشكالا جديدة في كافة القطاعات. و منهم التنسيقيات  و منظمات المجتمع المدني  و جمعيات الدفاع عن المال العام. 

و هذه المؤسسات  لا زالت بالمرصاد لمن يريدون محاربتها  و ازاحتها من المشهد الحقوقي  و على  رأسهم من يدعي أنه ” كان يساريا” والآن،  وقد اصطف في المريح من الصفوف،  يقول بأعلى صوته أنه ضد من يريد بوطنه  ومواطنيه خيرا  في مواجهة الاغتناء السريع.

أن يفتتح مؤتمر حزب هو خليط حقيقي من متناقضات حقيقية بآيات بينات من القرآن الكريم تحث على قيم عليا  و التمسك بها،  فهذا تقليد متفق عليه  و لكن أن تتبعه بنشيد منظمة 23 مارس،  فذلك يؤكد أن السرقة التاريخية لنضال ثلة من شباب وطن ضحى بحياته  و صحته  ومسيرته المهنية  لا يمكن أن  تمر مر الكرام.  ” لنا يا رفاق لقاء غدا…. سنأتي و لن نخلف الموعد… و هذي الجماهير في صفنا… و درب النضال يمد إليها… سنشعلها ثورة في  الجبال… و نشعلها ثورة في  التلال… و في كل شبر سنشعلها…”. ماذا يعني  اختطاف هذا النشيد  و استعماله في مؤتمر لحزب إختار ما لم يختره اليسار  و لا زال وفيا لاختياراته  و منفتحا على كل السبل لتغيير واقعه  و دمقرطة تدبيره العام.  حزب يغني للنضال من أجل ثورة سبعينية لا يفهم  تاريخها من تمت دعوتهم للمؤتمر،  و يؤثث بها مؤتمرا لن يعترف به تاريخ  و لا مكان  و لا زمان.

ذكرني ما تابعته، عبر الكاميرا،  في ما سمي بمؤتمر لحزب ” ثان ” في أغلبية حكومية،  في ما جرى خلال السنين الأخيرة في مؤتمرات كثير من الأحزاب. 

لا تقرير سياسي  و لا أرضية لسياسة مستقبلية  و لا برنامج  و لا لائحة للمنتدبين و لا آفاق مستقبلية.  المهم هو تدبير تنظيمي عبر شركات تؤمن النظام داخل القاعة،  ثم إخراج بالموسيقى  و الأضواء  و كورال لا يؤدي جيدا نشيدنا الوطني.  ثم محاولة للاستيلاء على نضالات شباب السبعينات الذين تعرضوا لأشكال التعذيب بدرب مولاي الشريف  وغبييلة  و المطار  و الذي غنوا رغم التعذيب كلاما صادقا  و لو غطته رومانسية جميلة: ” لنا يا رفاق لقاء غدا…سناتي  و لن نخلف الموعد” .

هؤلاء كانوا يحلمون بصدق ” أن  الجماهير في صفنا… و درب النضال يمد إليها…” و لكن أشباه السياسيين لم يعرفوا أن التغيير لا يأتي عبر مؤتمرات  و أن مكاسب المغرب في مجال العدالة كان مصدرها سجن  و اعتقالات  و مظاهرات  و وعي تاريخي  و إرادة سياسية ملكية.  تعفف المناضلون الشرفاء عن استغلال الإنتقالية زمن سياسي. 

و لكن غيرهم، قالوا كلاما كاذبا  و استفادوا  و غادروا  و تركوا لعراة حفاة يعبدون المال  و الجاه  و السلطة كل المجالات.  لكن جميع المؤتمرات لن تعيق سير المحاكمات لحفظ الوطن من أفعال المفسدين  و المفسدات. ملاحظة أخيرة. لماذا أصبحت المجاملات السياساوية في هذا المستوى من القبح في بلادنا.  في زمن مضى، كان حضور المدعويين  للمؤتمر حزبي يقتصر على من يشاركونه توجها سياسيا أو  ايديولوجيا مع بعض  الإختلاف.  في يومنا أصبح حضور مؤتمر حزب كعرس أو جنازة.  الكل يحضره  و يجلس في الصف الأول. هذه ثقافة المجاملات  و توحد النخبة كما سماها ” جون واتيربوري صاحب كتاب ” أمير المؤمنين ” الذي صدر قبل عقود  و كان ممنوعا.  و لكنه متاح اليوم بصيغته الأولى  و بترجمته العربية التي سهر عليها بأمانة و جرأة  الأستاذ عبد الغني أبو العزم .

سئل أحد رواد اليوتوب رئيس المؤتمر الرابع لحزب الأصالة و المعاصرة عن شعوره، و هو اليساري السابق، عن الغاية من هذا الحزب.  كان الجواب مليئا بالحسرة  و الأسف  و ضرورة سلك سبل النقد الذاتي. 

 لكل كامل الحرية في التنكر لماض لو كان له بالفعل هذا الماضي.  ولكن الحقيقة أن بعض اليساريين الذين انخرطوا في مسلسل العدالة الإنتقالية كانوا على صواب. أما من ظن منهم أنه مؤهل لقيادة دون إنارة  و مغلفة بوعود فقد ضاعت منه البوصلة  و فقد رصيدا  لن يعوض أبدأ. و لؤلائك  الذين ضاعوا في خضم ضبابة صيف  أقول كفاكم ما أنتم فيه.  رفاقكم الجدد لا يتابعون من أجل إلتزام فكري  و نضالي  و لكن من أجل أشياء أخرى سيقول فيها القانون الجنائي كلمته  في مختلف درجات التقاضي.  لا تهمني جمل زعيمكم الذي قال أن كل الأحزاب لديها من بيته من زجاج.  فلتتكسر كل البيوت التي من زجاج  و هي قد اغرقت بالوحل المحل.