قضايا

الجزائر وازدواجية المواقف

أصبحت تناقضات الجزائر مكشوفة حتى للذي لا ينقب في دهاليز السياسية ، ولا يرغب في تفكيك الخطاب للعثور على الظاهر والكامن من الحقيقة، دبلوماسية الجار العنيد أقل ما يمكن القول عنها أنها فاشلة وعدائية وماضوية، أسيرة حقبة من التاريخ لم يعد قائما، فلا زالت الجزائر رهينة الماضي، حرب الرمال والحرب الباردة وثقافة بومدين – بوتفليقة، والعالم يسير نحو خطوات حثيثة للنظر بعيدا  في الأزمات الاقتصادية والبيئية، تنامي العداء من جهة الجار العنيد لا تفسر بالمنطق والبرهان، بل يمكن استدعاء المختصين في مجال علم النفس وخبايا اللاشعور، ومن لهم القدرة في الكشف عن المكبوت وطبيعته، في سبر الأغوار وتفكيك ترسبات الماضي لإزاحة التفكير الذي رفع المغرب للعدو رقم واحد في العالم، هذا الكيان السقيم بمرض عضال يدعى “فوبيا” أو الخوف المزمن المستبطن في أعماق اللاوعي، من تجلياته الهوس بالمغرب والسير عكس ما ترغب فيه الشعوب من طي صفحات الماضي، لا يوجد عداء ثابت في عالم تتشابك فيه المصالح، جرعة العداء زادت بتفكك المعسكر الشرقي، وانهيار جدار برلين، وعودة المغرب للاتحاد الإفريقي، واعتراف أمريكا بمغربية الصحراء، هذا الحقد المستبطن في اللاشعور خرج للعلن عند التمادي في التصريحات، والتشهير العلني، والتحريض على المصالح المغربية والتقليل من وجوده، ورشوة القاصي والداني خدمة لأجندة غير مفهومة، نوع من التحايل وسلوك هذا النوع من الأنظمة يمكن توصيفه ببساطة بالعقم المزمن في آلية العمل السياسي .

لم يتغير الخطاب السياسي بالجزائر منذ 1974 عن المغرب، بقي هذا الخطاب وفيا للخط الإيديولوجي، ويدور في فلك شخصيات معينة صنعت حروبا، وعالما منغلقا ومسيجا بمواقف عدائية، أبرزها القول بتقرير المصير للقريب دون البعيد، الامتناع عن فتح الحدود، رفضت منطق التعايش وساهمت في تأليب شعوب ضد الوحدة الترابية للمغرب، تعيد إنتاج نفس الخطاب في استغراب العرب مؤخرا من تصويت ممثل الجزائر في البرلمان العربي ضد المغرب في قضية الهجرة، وانحياز البرلمان الأوروبي لاسبانيا، استشعرت الخطر من ردود الأفعال المغربية، حيث أن السيد عمر هلال السفير المغربي لدى الأمم المتحدة وزع مذكرة وجهها إلى الرئاسة الأذربيجانية التي ترأس دول عدم الانحياز، مضمونها كشف التناقضات التي تنطوي عليها المواقف الجزائرية، ما هو واضح ومكشوف أن تقرير المصير موثق في الدستور الجزائري، يعمم على كل الشعوب المختلفة ثقافيا وعرقيا ودينيا، والتي تعاني القهر والظلم من القوى المهيمنة والمسيطرة، وبالتالي يستحق شعب القبائل أن يكون حرا ومستقلا، هذا الشعب كما قال يملك تاريخا في المنطقة، ولا يستسيغ العيش ضمن النظام العسكري، مزايا هذا الشعب رفض التسلط وعشق الحرية، وإذا كان الأمر كذلك، فالجزائر كما تدعي، مطالبة بتدعيم حق تقرير المصير في كل دول العالم من كتالانيا وإقليم الباسك، للشيشان وكشمير والأكراد وكورسيكا ومنطقة الأهواز في إيران وغيرها من الشعوب، حركة استقلال منطقة القبائل ليست إرهابية، بل هي منظمة موجودة على أرض الواقع، وتطالب بالاستقلال عن الجزائر، وهنا يمكن أن تصير الجزائر ممزقة كما يريدها الأعداء والمتربصون بأمنها، ولو أراد المغرب ذلك بسوء نية، كان يمكنه تدعيم القبائل منذ إقدام الجزائر على تسليح جبهة البوليساريو، ومدها بالسلاح، والمرافعة عنها في المحافل الدولية . الغريب أن الجزائر تسكت عن فرنسا التي تحتضن هذه المنظمة ولا تبدي مواقف عدائية ضدها، هنا تطرح عدة أسئلة عن علاقة العسكر بالسياسة الفرنسية .

ما نلمسه من دبلوماسية المغرب الصبر على حماقة الجار العنيد، حسن الجوار مبدأ  أخلاقي وسياسي ثابت، “فوبيا” وعقد نفسية لا يمكن فسخها إلا باستبدال النظام الجزائري، وتوعية نخبته المنحازة لهذا النظام بالفكر المتنور، الذي ينقلها نحو آفاق أرحب للدولة المدنية، وفتح الحدود من أجل انتعاش الاقتصاد والتجارة وحرية التنقل، يمكن اعتبار المصلحة العليا المشتركة بين الشعبين أهم من الاستقطاب الأيديولوجي والاختلاف السياسي، فمن يقرأ في محتوى الإعلام الجزائري المرئي والمكتوب يصاب بالدهشة والحيرة من الأصوات التي تتماهى مع النظام، وتنافق شعبا يسعى للتغيير من خلال الحراك الشعبي في مطالب أغلب فئاته بالدولة المدنية . لن تنعم الجزائر بالسكينة وتقدير الذات إلا بالاعتراف بانحراف نظامها السياسي، وعندما تتيقن وتعي أن سيادة البلدان أولوية قصوى للشعوب، اللون الأحمر القاتم يعني عدم المساس بالوحدة الترابية للجيران. تصفية الاستعمار يجب أن تكون في السياسية المستقلة، وسلطة القرار النابع من القوى الحية وليس من أهواء العسكر، والتبعية الثقافية تعني معاناة الشعب الجزائري من حفنة من العسكر توجه الفكر والإعلام والتربية نحو اعتبار المغرب عدوا، نظام فاشي من بقايا الأنظمة الشمولية التي انتهت بانهيار جدار برلين ونهاية الحرب الباردة وانتصار القيم الكونية .

الحرب المعلنة والخفية على المغرب منذ سنوات لم تحصد سوى الهزيمة النفسية، تلك الحروب التي انتصر فيها المغاربة كانت إشارة للردع والعودة للحدود، وليست حروبا للريادة وإظهار القوة، وعندما سلحت الجزائر البوليساريو وفتحت أبوابها للمرتزقة في العالم خلال الحرب الباردة، كانت الحرب قاسية على المغاربة الذي نالوا الشرف والتضحيات الجسام في سبيل الأرض والكرامة، السياسة تتبدل والعالم يتغير، ومغرب اليوم كما قال السيد ناصر بوريطة ليس مغرب الأمس، نفذ الصبر فانكشفت لعبة الجار، أصبح الصراع ثنائيا، توزيع وثيقة رسمية على جميع الدول أدخل الجزائر في هيستيريا من الغضب، والحقد على السياسة المغربية الجديدة، أوهام الجار تحطمت، هناك تصدع في سياستها كشف للكل أنها دولة متهرئة تعاني شظايا وانقسامات في نسيجها الداخلي، قابلة للتجزئة، عندما لوح المغرب بورقة تقرير المصير للشعب القبائلي، اعتبرت الجزائر الأمر انحرافا خطيرا، ومغامرة غير محمودة العواقب، تحريض لا مسؤول يكشف عن نوايا المغرب اتجاه الجزائر. نحن لا نرى في الأمر سوى خطاب مضاد، يزيح التناقضات، ويرغم الجزائر للاعتراف بقصور السياسة، وتآكل الدبلوماسية . تحاول نزع الشرعية الوطنية والدولية عن مغربية الصحراء ، يريد النظام البقاء عندما يرسخ في أذهان الشعب الجزائري العداء والكراهية، العدو الوهمي والحروب الخاسرة التي تشنها الجزائر تحت دافع تقرير المصير ساهمت في تعطيل التنمية وتبادل الخيرات بين الشعبين، والأهم أنها في حاجة إلى تجديد خطابها السياسي، وما يتلاءم والظرفية العالمية، وما تعانيه من مشاكل جمة في مجال الصحة والتجارة والتعليم، خطاب الجار العنيد انتكاسة وعودة للماضي من زمن الحرب الباردة، لم يعد هذا النوع من الخطاب مقبولا في عالم التكتلات والعلاقات الدولية المترامية الأبعاد، والتي تحددها بالدرجة الأولى الأعراف الدبلوماسية، والمنافع الاقتصادية، إشارة قوية من المغرب، وصيحة للتعبير عن الرفض المطلق للغباء السياسي، واللعبة المكشوفة التي تنم عن اختباء النظام العسكري في مشاكل الآخر بعيدا عن حل المشكلات القائمة في بلده، تلكؤ في مسار التحولات الديمقراطية، يعني ببساطة الجزائر منقسمة على ذاتها سياسيا، تصارع من اجل البقاء في محيطها، وتظهر نفسها حامية للقيم، وزعيمة شمال إفريقيا،  تمتلك خزان كبير للطاقة ولا أثر للتنمية البشرية.

لا تكفي القوة المادية إذا غابت القوة الناعمة في مجال التدبير السياسي والتسيير العقلاني للدولة، ولذلك يشعر المتابعون للشأن المغاربي بالدهشة والغرابة من جراء المواقف العدائية للجزائر اتجاه المغرب، يتعجب الجار العنيد من رد الفعل المغربي عند تنصل الجزائر من حق تقرير المصير لشعب القبائل، الذي يتعرض لأطول احتلال أجنبي . فالحق يؤخذ ولا يعطى، ومن يطالبون بهذا الحق هم شعب أصيل وعريق في شمال إفريقيا، يمتلك تاريخا من المقاومة والوجود ، فإذا كان بيتك من زجاج فلا ترمي الناس بالحجارة، الوطن كله زجاج قابل للتقسيم والتمزق عند اجترار نفس اللعبة، فلا يهدأ النظام الجزائري في اللعب على الكلمات والمراوغة، وتبسيط القضايا عندما ينصب نفسه مدافعا عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، ونحن نعلم أن الحراك الشعبي الجزائري من مدة طويلة يطالب بحق الشعب في تقرير مصيره السياسي، إلحاح هذا الشعب في تنازل العسكر عن السلطة، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تتسع للكل، أن يعود العسكر للثكنات، وظيفته الحماية وتأمين حدود الدولة، والحفاظ على مشروعية السلطة المنتخبة، وصيانة المؤسسات دون أن يكون طرفا فيها، ليس المغرب عدوا للجزائر، وليست هناك نوايا خفية للمخزن في تشتيت الوحدة الهشة، بل مجرد تسويق العداء في عشق السلطة والبقاء للعسكر، هناك خطاب يعاد إنتاجه وتوزيعه واستهلاكه محليا ودوليا، الحروب الكلامية والتحريض العلني لن يفيد الشعوب في العبور نحو تجارب ديمقراطية، تكون السبيل الوحيد للوحدة المغاربية الشاملة .

العقلاء من الشعب الجزائري خصوصا المبعدون والمغتربون والرافضون لهيمنة العسكر يدركون ذلك، والخطاب السياسي المغربي عندما يلوح بورقة القبائل واستقلالها يدرك جيدا القدرة على الفعل والمناورة، ويدرك كذلك مخاطر التقسيم التي يمكن أن تطال باقي المناطق الأخرى، أما الحرب التي يعتقد جنرالات الجزائر القدرة على كسبها ما هي إلا مناورة ودعاية إعلامية مجانية للبقاء في السلطة مدة أطول، أوهام دونكيشوت في صراع مع الطواحين الهوائية، مخاوف الصراع العلني تلقي ثقلا كبيرا، لذلك يطلبون من المغرب توضيحات، يستدعون السفير للتشاور، لن تفيد الاستفزازات في إجماع المغاربة على وحدتهم الترابية، ونعتقد بالتمام قدرة المغرب على إثارة قضية استقلال القبائل، رسالة تهديد واضحة، ورسالة صريحة من أجل تغيير الخطاب، والكف عن التحريض في السر والعلن ، وما يثيرنا كذلك أن الاختلاف تحول إلى حقد وكراهية من خلال زرع ثقافة الشقاق والحسد، وتكريس صورة العدو المخيف لدى أغلب عموم الشعب الجزائري، أفكار تسللت للمناهج التربوية والمقررات، ودخلت في خطب المساجد، وأخرى يرسخها الإعلام المأجور والموجه، وأخرى تنتج عن مغالطات يتم تمريرها كسموم تندس في الفكر وتبقى قائمة وثابتة في العقول كمسلمات، الرد المغربي كان دائما هادئا وعقلانيا، والأزمة الحالية ما هي إلا عاصفة وسحابة قوية، عبارة عن إنذار وتحذير شديد في إلزام الحكم العسكري على ضرورة تغيير الخطاب السياسي للعناية بالشأن الداخلي. “فوبيا“المغرب والعقدة النفسية المركبة لن يتم علاجها إلا بترياق الحكم المدني والدولة الديمقراطية، دواء فعال في انتشال السلطة من الحكم العسكري المطلق، غير المصنف دوليا في مؤشرات الديمقراطية الخاص بسنة 2020، الجدير بالعناية تقوية التنافس الشريف بين الأنظمة المغاربية للزيادة في التنمية البشرية، ولا نرضى أن تتحول الجزائر من بلد الشهداء والشهامة إلى صفة “الرجل المريض” في شمال إفريقيا .

أحمد شحيمط