فن وإعلام

جمعة اللامي المغربي (5)... من قتل حكمة الشامي"... في ضيافة محمد البكري

عبد الرحيم التوراني ( كاتب صحفي)

يتذكر جمعة اللامي لقاء جمعه في بيت عاطف عودة، لما كان الأخير مراسلا لصحيفة "الخليج" الإماراتية.


شخصيا تعرفت على عاطف عودة، والتقيت به مرات في الدار البيضاء والرباط، لما كان يكتب لـ"اليوم السابع" الباريسية، المجلة التي كان يرأس تحريرها بلال الحسن، الصحفي الفلسطيني المشهور، الذي حمل الجنسية المغربية، وقد توفي السنة الماضية في العاصمة الفرنسية، وتم نقل جثمانه إلى الرباط ليدفن بجانب قبر أخيه القيادي في حركة فتح خالد الحسن، الذي عاش في المغرب ودفن بمقبرة الشهداء في الرباط. 


وعاطف عودة هو الصحفي نفسه الذي سيصبح لاحقا دبلوماسيا، وكان آخر سفير فلسطيني في ليبيا، وقد شهد نهاية حكم العقيد القدافي في أكتوبر عام 2011.


في بيت عودة سيتعرف جمعة اللامي على نخبة من الوجوه المغربية، في مقدمتها محمد اليازغي، (الرجل القوي حينها في حزب "الاتحاد الاشتراكي المعارض". وبالدكتور محمد برادة رئيس اتحاد الكتاب، وبعبد الجبار السحيمي، أحد كبار محرري "العلم" وركن من أركان حزب الاستقلال، والشاعر المناضل عبد اللطيف اللعبي، ومحمد بنيس الشاعر والناقد والأستاذ الجامعي، والروائي محمد شكري، والقاص إدريس الخوري، ومراسلان صحفيان يعملان لحسابهما في صحيفة (أنوال) اليسارية")..


أعتقد أن أحدهما لن يكون غير الصديق طالع السعود الأطلسي، رئيس تحرير "أنوال".


كانت سهرة نظمها عاطف عودة احتفاء بالأديب العراقي جمعة اللامي وعلى شرفه. وكانت "من المرات النادرة التي يلتقي فيها الطيف المغربي السياسي بمثل هذه الروح الحميمة".  "استمر حوار طويل، بدأ بالسياسة وانتهى بالثقافة والأدب، شمل الحوار العلاقات المغربية ـ  الجزائرية، وقضية الصحراء وفلسطين، والحرب العراقية ـ الايرانية...". 


*** 

من بين المثقفين المغاربة الذي التقى بهم جمعة اللامي في الثمانينيات، خلال زيارته الثانية لمدينة الدار البيضاء، الناقد والمترجم والأستاذ الجامعي محمد البكري، عضو هيئة تحرير مجلة "الثقافة الجديدة"، المجلة التي وصفها جمعة اللامي دائما بـ"صوت المغرب الثقافي إلى العرب".


يتذكر البكري أن صديقنا المرحوم مصطفى المسناوي هو من جاء برفقة اللامي وقدمه له، حدث ذلك في سنة 1986.


يحكي البكري أنها كانت بالنسبة إليه لحظة جميلة ومؤثرة، أن يجتمع بكاتب عربي كبير يكن له التقدير والإعجاب، سواء بكتاباته الأدبية الرائعة، ومنها رواية "من قتل حكمة الشامي؟"، أو من خلال ما كان يصلنا من أخبار، باعتبار جمعة اللامي يساريا ومعارضا عنيدا، عانى من السجن ومن الاضطهاد سنوات بسبب مواقفه وانتمائه للحزب الشيوعي العراقي، وقد اضطر إلى هجر وطنه العراق والعيش مطاردا، منفيا وشريدا.


كانت "الثقافة الجديدة" نشرت نصوصا إبداعية لجمعة اللامي، ومنها نص مقتطف من رواية له بعنوان: "المقامة اللامية"، (كوميديا الآباء والأبناء والأحفاد ما بين بلاد أُروك والغار المُقدّس ببَكّة) يصفها جمعة اللامي.


يتابع البكري: جلسنا نحن الثلاثة، اللامي والمسناوي وأنا، بعض الوقت في مقهى قريب من وسط المدينة، تكلمنا عن هموم مشتركة نتقاسمها جميعا، وتتصل طبعا بالشأن الثقافي والسياسي، وبأوضاع المثقفين العرب بشكل عام. 


عندما هبط الليل انسحب مصطفى المسناوي، عائدا إلى بيته في حي عين الشق، "وبقيت أنا مع ضيفنا العراقي، فكانت سهرة ممتدة تنقلنا فيها عبر أماكن معينة في خرائط الليل البيضاوي".


يضيف: "طيلة أيام إقامته العابرة كنا نلتقي، نرتاد أنحاء متفرقة، نتردد على مقاه وحانات ومطاعم معروفة، ولا نكاد نفترق، إلا في ساعة متأخرة من الليل، إذ كنت أذهب مع جمعة حتى أوصله إلى باب الفندق الذي كان مقيما به، وهو فندق "بلازا"، يقع بشارع محمد الحنصالي (هوفييت بوانيي حاليا)، شارع معروف، تنتشر به محلات البازارات، ويؤدي إلى الميناء، حيث محطة القطار "كازا بور". 

وقد دعوته إلى بيتي وعرفته على أسرتي الصغيرة، زوجتي المرحومة وابنتنا الوحيدة في ذلك الزمن".


يتذكر البكري أنه لما كان يرافق جمعة اللامي تعرضا لبعض المضايقات من أطراف لم يرغب في تسميتها، ولكنه اكتفى بوصفها ببعض المعجبين، بينهم فئة من الفضوليين، وأخرى ممن يحاولون فرض أنفسهم على الآخر. 

وطبعا، كان جمعة اللامي يتبرم من مثل هذه التصرفات، وعبر عن امتعاضه من مضايقته.


ذكريات كثيرة لم يعد محمد البكري يحفظها، غير أنه لا ينسى ما حكاه له جمعة اللامي عن تفاصيل خروجه من العراق، وكذلك عن ظروف إقامته بالخليج العربي. 

كما حكى له عن بداية ميله إلى الروحانية الهندية، تماما مثله في ذلك مثل عدد من أصدقاء اللامي من مثقفي العراق في تلك المرحلة. 


هذا الأمر يذكرنا بالمفكر والزعيم الدرزي اللبناني كمال جنبلاط، الذي كان أيضا من المتأثرين بالروحانيات الهندوسية.


توطدت صلات الصداقة بين البكري واللامي، وتواصلت عبر الرسائل البريدية، ثم عبر الانترنيت والفيس بوك. 

وفي الأعوام الأخيرة لاحظ محمد البكري أن جمعة اللامي لم يعد يتفاعل معه، ولم يعد يرد على الرسائل التي يبعثها إليه. وسيعلم من أصدقاء أن جمعة اللامي صار لا يخرج إلا لماما من بيته، وأنه يتحرك فقط في ممرات خاصة داخل مجمع سكني يقيم به.

(يتبع)