مجتمع وحوداث

حين تتقاطع مسؤولية الحكومة وتواطؤ النقابات في ملف التقاعد

عبد العزيز رجاء (الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب)
مرة أخرى، يُعاد إنتاج نفس المشهد الباهت: تأجيل يليه تأجيل، وترحيل يجرّ ترحيلاً، وكأن ملف التقاعد قدره أن يظل حبيس المماطلة والتردد. قرار تأجيل اجتماع اللجنة التقنية، الذي كان مقرراً في السادس من أبريل 2026، ليس مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هو عنوان صارخ لأزمة أعمق في منهجية تدبير واحد من أكثر الملفات حساسية وإلحاحاً.

الحكومة، التي يفترض فيها التحلي بالشجاعة السياسية لمواجهة الاختلالات البنيوية لأنظمة التقاعد، اختارت مرة أخرى الهروب إلى الأمام. فبدل فتح نقاش وطني صريح ومسؤول، قائم على المعطيات الدقيقة والشفافية، يتم ترحيل الملف إلى جولات حوار اجتماعي غالباً ما تتحول إلى فضاءات مغلقة لتبادل التنازلات غير المعلنة. والنتيجة معروفة سلفاً: قرارات تُطبخ بعيداً عن أعين الرأي العام، ويدفع كلفتها الأجراء والمتقاعدون، حاضراً ومستقبلاً.

غير أن مسؤولية هذا الوضع لا تقع على عاتق الحكومة وحدها. فبعض المركزيات النقابية، التي طالما قدمت نفسها كمدافع شرس عن مكتسبات الشغيلة، باتت اليوم تمارس ازدواجية مقلقة في الخطاب والممارسة. ففي العلن، ترفع سقف المطالب وترفض المساس بحقوق الأجراء، لكنها في كواليس التفاوض تُبدي مرونة مفرطة، تصل أحياناً إلى حد القبول الضمني بإجراءات لطالما عارضتها.

هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بضغط السياق الاجتماعي أو تعقيدات التفاوض، بل يكشف عن أزمة مصداقية حقيقية. فهل نحن أمام مراجعة جذرية للمواقف مبنية على تقييم موضوعي، أم مجرد إعادة تموقع تكتيكي يفرضه ميزان القوى؟ الأكيد أن هذا الغموض يضعف ثقة الشغيلة في تمثيلياتها، ويجعل من النقابات جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل.

الأخطر من ذلك، هو تكريس منطق المقايضة حين يتحول ملف التقاعد إلى ورقة تفاوضية ظرفية، تُستعمل لتحقيق مكاسب آنية، دون أي رؤية استراتيجية تضمن الاستدامة والعدالة بين الأجيال.

في المقابل، يظل المتقاعدون الحلقة الأضعف في هذه المعادلة المختلة. فبين حكومة تؤجل، ونقابات تناور، تتفاقم أوضاعهم الاجتماعية بشكل مقلق. معاشات هزيلة، قدرة شرائية متآكلة، وارتفاع مهول في تكاليف المعيشة… واقع لا يحتمل المزيد من الانتظار ولا يقبل التأجيل. ومع ذلك، يتم ربط مصير هذه الفئة الهشة بمآلات إصلاح لم تتضح بعد معالمه، في تجاهل صارخ لمعاناتهم اليومية.

إن أولى أولويات العدالة الاجتماعية تقتضي الفصل الواضح بين مسارين لا يجب الخلط بينهما:

مسار الزيادة الفورية والعادلة في معاشات المتقاعدين، باعتباره إجراءً اجتماعياً مستعجلاً، ومسار إصلاح أنظمة التقاعد، كورش هيكلي معقد يتطلب نقاشاً عميقاً وتوافقات واسعة.

الاستمرار في دمج هذين الملفين ليس فقط خطأً منهجياً، بل هو شكل من أشكال الظلم الاجتماعي الصارخ. فالمتقاعد اليوم لا يملك ترف الانتظار، ولا قدرة له على تحمل كلفة إصلاح قد يمتد لسنوات.

لقد أثبتت التجربة أن تأجيل الإصلاح لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة ورفع كلفتها. وكل يوم يمر دون حسم هذا الملف، هو في الواقع تحميل إضافي لفاتورة ستؤديها الأجيال القادمة، إما عبر اقتطاعات أعلى، أو معاشات أقل، أو سنوات عمل أطول.

إن اللحظة الراهنة تفرض قدراً أكبر من الجرأة والمسؤولية:حكومة مطالبة بالقطع مع سياسة الهروب إلى الأمام، واعتماد الشفافية الكاملة في تدبير هذا الورش؛ونقابات مدعوة إلى استعادة مصداقيتها، عبر وضوح مواقفها وانسجام خطابها مع ممارساتها التفاوضية.

أما المتقاعدون، فقد آن الأوان لأن يتحولوا من موضوع للقرارات إلى فاعل أساسي في صياغتها. فكرامتهم ليست ملفاً تقنياً قابلاً للتأجيل، بل قضية عدالة اجتماعية مستعجلة، لا تحتمل المزيد من التسويف ولا المساومة.