يكفي أن تستعير مفردات جاهزة: “الدولة الاجتماعية”، “الإصلاحات الكبرى”، “الورش الملكي”، ثم تُسندها بأرقام معزولة عن سياقها. الصعب هو أن تسأل السؤال الذي يُفسد هذه الراحة، ماذا تغير في حياة الناس فعلا منذ تولي حكومة عزيز أخنوش؟ ما أثر سياسة هذه الحكومة على عيش المواطن؟
الخطاب الرسمي يقول إن المسار واضح. لكن الواقع نقرأه بالنتائج و ليس بالمسارات، التعليم على سبيل التقديم كأولوية، رُفعت حوله عناوين كبيرة، وتوالت الصيغ، لكن المدرسة لم تتحول إلى فضاء مستقر. الاحتجاجات لم تكن تفصيلا، بل مؤشرا على خلل بنيوي في طريقة تنزيل الإصلاح. حين يظل الزمن المدرسي رهين التوتر، يصبح الحديث عن “تجويد التعلمات” أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى واقع قابل للقياس. أما لالاهم الصحة، توسعت التغطية نعم، وهذا معطى يُسجل. لكن التغطية ليست علاجا. بطاقة الانخراط لا تختصر مسار المريض داخل منظومة تعاني من ضغط الموارد واختلال التوزيع. المعيار الحقيقي هو كم يستغرق الوصول إلى طبيب؟ ما كلفة الدواء خارج التعويض؟ ما جودة الاستقبال؟ هنا تتكسر الصورة الوردية. الحق موجود على الورق، لكن تجربته اليومية ما تزال مُرهِقة وغير متكافئة.
أما القدرة الشرائية و هنا سنتوقف قليلا و نضع حزام الأمان فالطريق مليء بالمطبات، إنها الاختبار الذي لا يقبل البلاغة. يمكن للحكومة أن تُعلن زيادات، وأن تُسوق دعما، لكن السوق يحسم. أسعار الغذاء والطاقة ارتفعت بوتيرة ثابتة، بينما الأجور لم تُواكب. الفارق بين “الدخل الاسمي” و“القوة الشرائية الفعلية” هو الفجوة التي يعيش فيها المواطن. عندما يتقلص هامش الاختيار داخل سلة الاستهلاك، فذلك يعني ببساطة أن الوضع لم يتحسن، مهما كانت لغة التقارير.
المفارقة أن جزءا من الخطاب المؤيد يختزل كل ذلك في “مرحلة انتقالية” أو “سياق دولي صعب”، و يتحول إلى ذريعة تستخدم لتعليق الحكم إلى أجل غير مسمى. السياسات العمومية تنجح حين تظهربقدرتها على امتصاص الصدمات لا في صياغة التبريرات و ركوب "الموجات". وإذا كانت كل الاختلالات تُحال إلى الخارج، فأين يظهر أثر القرار الداخلي؟
ثم هناك مسألة المنهج. تُعلن الحكومة عن أوراش متزامنة، لكن التراكم لا يعني بالضرورة الأثر. كثرة البرامج دون تنسيق صارم تُنتج "صلصلة" إدارية أكثر مما تُنتج تحولا فعليا. ما يحتاجه المواطن ليس تعدد العناوين، بل نتيجة واحدة واضحة خدمة أفضل، بكلفة أقل، وفي وقت أقصر.
لا أحد ينكر وجود مبادرات، ولا أن بعض الملفات تحركت. لكن ما يُصادم السردية المريحة هو أن هذا التحرك لم يترجم بعد إلى تحسن محسوس بالقدر الكافي. السياسة، في نهاية الأمر، ليست إدارة التوقعات بل إدارة الواقع. والواقع، كما يعيشه الناس يوميا، لا يمنح حتى الآن شهادة “تحسن واضح”.
السؤال الذي ينبغي أن يخرج من دائرة المجاملة إلى دائرة المحاسبة بوضوح و بوجه مكشوف، إذا وضعنا كل الشعارات جانبا، ما المؤشر الملموس في حياتك اليومية الذي يجعلك تقول إن الأمور صارت أفضل فعلا في زمن حكومة أخنوش؟..






