شهدت نسخة أمريكا الشمالية لكأس العالم صعودا واضحا لكرة القدم الإفريقية، بحيث تأهلت 9 من أصل 10 منتخبات إلى دور 32. وهو ما يعني، من بين ما يعنيه، أن نبوءة بيلي ماضية في التحقق، وأن اللقب سيكون إفريقيا في يوم ما، ربما يكون قريبا جدا.
في كل الأحوال، فما كان مجرد حلم بعيد المنال، ذات يوم، ويسخر كثيرون من إمكانية تحققه، صار اليوم شيئا واقعا يعاش. بل إن الحضور الإفريقي في كأس العالم صار مصدرا للفرجة والفرحة، سواء تعلق الأمر بالمنتخبات التي يشكل لاعبوها مصدرا أساسيا للإبداع، أو الجماهير التي من دونها لا يكون للملاعب أي طعم أو نفس.
ولعل من يتابعون كأس العالم بأمريكا الشمالية يلاحظون كيف أن المنتخبات الإفريقية استطاعت، عدا منتخب تونس الشقيقة، أن تمتع وتبدع في الملاعب، وتجعل المنتخبات المنافسة تحسب لها ألف حساب، ولا سيما منها المنتخب المغربي، الذي شكل، من البداية، مصدر رعب لكل من واجهه، بحيث شاهدنا منتخبا برازيليا باهتا أمام الأسود، وشاهدنا منتخبا اسكتلنديا بدون أظافر ضدهم، ثم شاهدنا منتخبا هايتيا يحاول جهده، دون أن يتمكن من إزعاج منتخبنا الوطني، في نهاية المطاف.
لقد أثبتت الكرة الإفريقية، وهي تحضر بعشر منتخبات، أنها لم تنل أي صدقة من الاتحاد الدولي لكرة القدم، أو من مجتمع اللعبة، بحيث عبرت من ممثل واحد، على مدى سنوات طويلة، إلى رقم يعطيها حقها الطبيعي. وهو الحق الذي تأكد للعالم أنه مستحق، وهو يشاهد بعينيه، ويعاين عن كثب، منتخبات مذهلة في عطائها، ومدهشة بلاعبيها ونجومها، وممتعة، أيضا، بما تقدمه في المدرجات من أهازيج، وتشجيعات، وفرجة ينتظرها الجميع، وبخاصة منتجو القنوات الفضائية، والمواقع الرقمية، ومنصات السوشل ميديا، ومن ورائهم شركات كبرى، لتحريك عجلة الاقتصاد.
إن مضي الاتحاد الإفريقي لكرة القدم في فرض الحكامة الجيدة على الاتحادات المحلية، وتحصين كأس إفريقيا للكبار من عبث العابثين، وتحييد التحكيم، كلها أساسيات من شأنها أن تقرب كرة القدم السمراء أكثر فأكثر من صدارة العالم، وهو ما سيمد اللعبة الأكثر شعبية في بمصدر لا ينضب من النجوم، ومن الجماهير، وبالتالي بما تحتاجه الكرة كي تستمر في الإبداع والإمتاع، في وقت تتراجع في عدة دول ظلت تتسيدها، مثل البرازيل وألمانيا، ولا سيما إيطاليا، التي تغيب عن المونديال للمرة الثانية على التوالي.
إن النزاهة الفكرية تقتضي من فيفا أن تتحرك في اتجاه إفريقيا، بحيث تضاعف لها المنح، وتقوي الأكاديميات، وتكثف تكوين الحكام، وتسهم في إنشاء البنيات التحتية اللازمة للممارسة، ذلك أنها سترد دينا قديما للقارة السمراء التي ظلت مقصية من المونديال لسنوات طويلة.






