سياسة واقتصاد

اكتشاف صادم من الصين.. في ملف سبتة ومليلية والجزر !!

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
بالصدفة طالعني فيديو باللغة الصينية، "الماندرانية"، تتحدث فيه المتكلمة عن "اكتشافها"، والمؤسسة الثقافية التي تتكلم باسمها، بأنّ مدينة سبتة، ومعها مليلية والجزر، هي أراض إفريقية، في شمال القارة السمراء، وأنها بالتالي مغربية بالواقع الجغرافي وبالتاريخ، وقد كانت تظن انها تقع في الجنوب الغربي من أوروبا، وتحديداً من بلاد الأندلس.

وذكّرت المتكلمة متتبعيها بالمناسبة، وبعد البحث بكل تأكيد، بأن الأندلس كانت في زمن ما دولة مسلمة، فتحها البرابرة المغاربة بمعية عرب من المشرق، وأن سبتة ومليلية تناوب عليهما الإسبان والبرتغاليون بعد الرومان والبيزنطيين، لتنتهيا بين براثن الثعلب الإسباني منذ ما يزيد عن ستمائة سنة من أيام الناس هذه (مليلية سنة 1497 وسبتة سنة 1668).

كل هذا يبدو طبيعياً، عندما ننظر إليه بعيون صينية انشغلت بقضايا وطنها، وتاهت في صخب السياسة العالمية، فلم تنتبه إلى مغربية المدينتين السليبتين والجزر الملحقة بهما، وكذا الواقعة جنوب غرب الصحراء المغربية، ربما أيضا بسبب البروباغاندا الإعلامية الإسبانية والأوروبية، الاستعمارية روحاً وفكراً وخطاباً...

بيد أن الذي يصدم في هذه المعطيات، أن لنا دبلوماسيا نعتز بإنجازاتها، ونفتخر بفتوحاتها، على الأصعدة الثنائية والإقليمية والجهوية والقارية والعالمية، ولكننا لم ننتبه إلى أنها تقتات من هذه السمعة دون أن تزكيها بأعمال حاسمة في العمق، إلى أن اكتشفنا قبل يومين فحسب، أن الصين، التي تجمعنا بها اتفاقيات تشمل مشاريع مشتركة عملاقة، من شأنها أن تضعنا في مجالات اقتصادية كثيرة في الريادة، قارياً ومتوسطياً وربما عالمياً، هذه الصين، لا تعلم مؤسساتها الإعلامية ومثقفوها أن مدينتي سبتة ومليلية ثغران إفريقيان، وبالتالي مغربيان، وكذلك شأن الجزر، فما الذي كان يشغل سفراءنا المتعاقبين على بيكين وباقي الفضاء الآسيوي، عن ترسيخ هذه الحقيقة الجغرافية والتاريخية، في أذهان المسؤولين والمثقفين والإعلاميين الصينيين والآسيويين، لكي لا ننتظر نحن إلى أن يقع ما وقع قبل أيام، من الاختراق الألفيني "لِما يشبه الحدود" مع مدينتنا، سبتة، ولكي نكتشف أن الصينيين إلا القليلين من النخبة، كانوا يحسبون، وظلوا على مدار قرون يعتقدون، أن سبتة ومليلية والجزر أراض أوروبية تنتمي للقارة العجوز، وأن المغرب حين يلوّح بين الحين والآخر باعتزامه استرجاعها إنما يتخطى بذلك حدوده، ويمارس ابتزازاً غير مقبول لا قانوناً ولا شرعاً في حق جاره الإيبيري، الظريف، اللطيف، الذي تعوّد على صرف النظر عن ذلك والتجاوز عنه حفاظا على حسن الجوار، وعلى المصالح المشتركة... بربكم، أين يقع الخلل؟ وما العمل الآن، وفوراً، حتى لا يقع المزيد من هذه الفؤوس في الرأس؟  

أعتقد أننا الآن في حاجة إلى دبلوماسيا ثقافية حقيقية. إلى مراكز مغربية في بكين وشنغهاي وحواضر صينية أخرى من كبريات مدنهم، تتكفل بسرد قصة ثغورنا بالصينية، من خلال أفلام وثائقية، ومن خلال "حشر" عناصر هذا الملف في كل اتفاق اقتصادي أو ثقافي قائم أو قادم، لأنّ مَن لا يروي روايته، سيرويها عنه غيرُه، وقد علمنا أن رواية الإسبان وصلت إلى الصين قبلنا، ولكنها وصلت مزيفة ومشوّهة، ومن الغباء أن ننتظر من الاستعماريين الإسبان غير ذلك.

لقد اكتشفت الصين، اليوم، ما كان يجب أن نكتشفه نحن أنفسنا بالأمس: بأن سبتة ومليلية والجزر ليست قضية حدود، بل قضية وعي. فهل ياترى ستنتبه دبلوماسيتنا إلى هذه المفارقة القادحة في ذكائنا وفي وعينا قبل فوات الأوان، أقصد، قبل أن يبدأ العالم من حولنا يعتبرنا معتدين على "حق إسباني" سيُعتبَر والحالة هذه "مكتسَباً" بفضل صمتنا، أو بالأحرى بفعل غفلتنا الدبلوماسية والثقافية، التي يستحيل أن نجد ما يبررها ما عدا الغباء والاتكالية؟

الكرة الآن عند وزارتنا في الشؤون الخارجية... تُرى ما الذي ستفعله بعد هذه النازلة؟