لن تتوقف أمواج الهجرة إلى سبتة ومليلية، بل سيتواصل تدفق المغاربة والأفارقة والعرب دون هوادة برا وبحرا وبشتى الطرق، وعلى الاسبان أن لا ينزعجوا مما حصل نهاية يوليوز وما سبقه وما سيعقبه، بل عليهم التأمل جديا في وضعيتهم كدولة استعمارية معزولة في القرن الواحد والعشرين، والاستعداد لتحمل متاعب ومسؤولية مثل هذه الغزوات البشرية المغربية والإفريقية، خارج نطاق سياسة التشديد والتضييق والمعالجة الأمنية السطحية: حواجز وأسلاك شائكة وكاميرات مراقبة ودوريات برية وبحرية للتصدي للمهاجرين وتحميل المغرب مسؤولية هذه الأزمات. الاسبان باتوا مطالبين قبل أي وقت مضى تغيير نظرتهم كليا لوضعية المدينتين، التي لم تعد تُحْتَمل من قبل المغاربة حكومة وشعبا، فأوضاعهما لا يمكن ان تستمر تحت وطأة وهواجس الهجرة في عمليات كــَــرٍّ وفَـــرٍّ. المغاربة صراحة يتطلعون إلى فك هاتين المدينتين من الأسر، كغاية مُثْلى في نهاية المطاف، والمطالب لن تتوقف.
ــــــــــ الهجرة وفق الجرعة الأوروبية:
تختلف الهجرة الجماعية الراهنة عن سابقاتها من تلك الهجرة التي شهدناها قبل نحو 5 سنوات أو تلك المتواصلة على مدار السنة عَلْ الخفيف، فالزحف البشري الأخير قُدِّر بحوالي 70 ألف، وهو رقم مرشح للارتفاع مستقبلا طالما ظل الوضع كما هو عليه. ولم يتم معالجة المشكلة من جدورها وفي مقدمتها تحرير المدينتين وتغيير سياسات الهجرة داخل الفضاء الأوروبي والإقلاع عن نظرتهم الاستغلالية الاستعلائية الابتزازية لشعوب دول الجنوب، فبعدما انتهت الحقبة الاستعمارية الأوربية للأرض والشعوب ونهب خيراتها برا وبحرا، جاء دور استغلال الإنسان كعسكري للدفاع عن أراضي أوروبا، بعدها حل دور اليد العاملة لإعادة الإعمار والخدمات، اليوم تحولت أنظارهم إلى فتح الأبواب لهجرة الكفاءات والأدمغة لا غير، في عملية استنزاف لطاقات بشرية هائلة متواصلة. في تحول دراماتيكي أوروبي لهجرة منتقاة حسب الطلب وطبيعة ونوعية وظرفية الخدمة المبتغاة. في أبشع صورة تقدمها دول أوروبا لاستغلال الانسان الإفريقي.
ــــــــ خلفيات الزحف:
تظل الأسباب الحقيقية لغزوة سبتة وخلفياتها ومحركها مجهولة لحد الآن، هل هي مغربية مردها ظروف اجتماعية لشباب يعانوا من الفقر والهشاشة والبطالة تم التغرير بهم فشدوا الرحال إلى حائط الصد السبتي ومن خلفه بحر بدون سفن، أم اسبانية تعود لانتشار أخبار على نطاق واسع، لمضامين حكم قضائي يمنع الإعادة الفورية للمهاجرين غير النظاميين الذين يصلون بحرا إلى اسبانيا، وأيضا للخطة الاستثنائية لحكومة مدريد تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير نظامي بأراضيها، وإقرار البرلمان الاسباني لمقترح قانون بتاريخ 17/07/2026 يقضي بمنح الجنسية الاسبانية لنحو 70 ألف صحراوي مولود عندما كان الإقليم مستعمرة اسبانية ولأحفادهم، كلها قرارات رآى فيها العديد من الراغبين في الرحيل إلى اوروبا أن اسبانيا فتحت أبواب الهجرة إليها كمحطة ومنها إلى باقي دول أوربا. هناك من يتحدث عن كون المغرب واسبانيا ذهبا معا ضحية مكيدة مؤامرة أطراف خارجية بما فيها تيارات من داخل اسبانيا ترى في ملف الهجرة ورقة ضاغطة على الجانبين حكومة بيدرو سانشيز لدوافع سياسية انتخابية، والمغرب كشماعة تعلق عليه كل مشاكل اسبانيا.
العبرة من هذا الاقتحام لثلة من الشباب المغربي أن سبتة مليلية، تبدو في مجملها أن تحرير المدينتين لا حاجة معه إلى رصاصة واحدة، فقد خاض المغاربة تجربة المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء المغربية عام 1975من نفس المستعمر الاسباني، بمبادرة وتدبير وتخطيط من طرف المغفور له الملك الحسن الثاني، مقدما بذلك للمغاربة والعالم طرق بديلة سلمية لتحرير الأوطان. عدد من المغاربة تمنوا لو كانت رحلة الشباب إلى الحدود المصطنعة مع سبتة ومليلية بالأعلام الوطنية والمصاحف في زحف سلمي للمطالبة بتحرير المدينتين من الاحتلال، كان وقتها المشهد سيكون مثاليا مفعم بالمشاعر الوطنية، في رسالة صارخة إلى الإسبان والعالم.
لم يكن الهروب الجماعي إلى الحدود المصطنعة للثغرين من طرف شباب قيل إنه يبحث عن حلم عيش أفضل بأوروبا تكون اسبانيا محطتهم الأولى، بل تحولت إلى قضية رأي عام دولي وإسباني من عيار سياسي ضخم أثقل كاهل الحكومة الاسبانية، وطرح عليها عدة تساؤلات وأيضا مسؤوليات. فقد ظهرت إسبانيا أمام العالم بأسره كدولة احتلال لازالت تحافظ على إرث استعماري دفين، بعدما طوى العالم الصفحة الاستعمارية خلال القرن العشرين. من جهة ظهرت انقسامات بين دول الاتحاد الأوربي حول الموقف من الأزمة، وقد تعرضت مدريد لانتقادات شديد من العديد من الدول الأوروبية إزاء سياستها في معالجة ملفات الهجرة وتدفق آلاف المهاجرين الى سبتة، معربين عن قلقهم البالغ إزاء تطورات منطقة سبتة الخاضعة للسيطرة الاسبانية.
لم تحظ اسبانيا بذلك الدعم الأوروبي المعهود، بل طرحت قضية الوضعية الجغرافية لسبتة ومليلية كمدينتين داخل أو خارج نطاق نظام "شينغن" وبرزت أن وضع المدينتين خارج نطاق المظلة العسكرية للحلف الأطلسي، بعد فشل الاسبان سنة 2022 في محاولة اقحام سبتة ومليلية تحت الحماية الجغرافية للدول الأعضاء في "حلف الناتو" بغرض جعل أية مواجهة مغربية مع اسبانيا حول المدينتين بمثابة حرب على أوروبا وأمريكا الشمالية، لكن واشنطن اعترضت وأحبطت المناورة الاسبانية.
ــــــــــ مغرب السرعتين:
في الوقت الذي كانت فيه السرعة القصوى تستعرض ما تحقق من منجزات في التقدم والنمو والازدهار الاقتصادي والصناعي على مدى 27 عاما، ظهرت في الوقت ذاته السرعة الاجتماعية المتعثرة لتقدم رؤيتها الصادمة على أرض الواقع برحيل ما يقرب من 70 ألف شاب وشابة من البلاد إلى خارج الحدود بحثا عن توفير ظروف عيش كريم ولو في الوهم؛ في تنافر وتناقض مغربي صارخ ومؤلم وميزان قوى مختل، بين أرقام نمو متقدمة وبنيات تحتية متطور، وبين واقع اجتماعي معزول لفئة من المغاربة، لا تستفيد من أرقام ومعدلات النمو المذهلة التي لا يصلها ريعها. الهجرة بشكلها الدرامي ومشاهدها المؤلمة عند بوابات سبتة ومليلية، خلفت التباسا لدى الرأي العام الدولي حول المغرب الحديث مغرب القرن الواحد والعشرين. وأظهرت بالملموس للرأي العام الوطني أن المغرب يسير فعلا بسرعتين ولا بد من معالجة هذا الخلل البنيوي، بجرعات تقارب يرتقي فيها البطيء إلى السريع.
ــــــــــ شيء عن المستقبل:
كان المغفور له الملك الحسن الثاني، قد طرح في يناير 1987 فكرة تكوين خلية للتفكير تنكب على دراسة مستقبل قضية سبتة ومليلية، رفضتها اسبانيا وقتها لتفادي الاعتراف الرسمي بوجود نزاع مغربي اسباني حول الموضوع. كما اعتبر الحسن الثاني في وقت لاحق أن حل مشكلة سبتة ومليلية مع الاسبان مرتبط بحل مشكلة جبل طارق بين اسبانيا وبريطانيا، بحكم تشابه الوضع الاستعماري للمنطقتين المغربية والاسبانية. وكلنا نعلم ان الحكومات الاسبانية ظلت تطالب الحكومات البريطانية باستمرار بالجلاء عن جبل طارق، إلى أن تَوصَّل الطرفان الاسباني والبريطاني في 15 يوليو 2026 إلى اتفاق يقضي بإزالة السياج الحدودي بين اسبانيا وجبل طارق، وفتح الطريق امام معبر بري دون حاجة إلى إجراءات تفتيش روتينية وتسهيل حركة العمال والمسافرين اليومية. للتذكير فإن هذه هي المرة الأولى منذ حوالي 3 قرون التي يتم فيها تحطيم هذه الحواجز الحدودية. جاءت هذه الخطوة الهامة بعد الإصرار الاسباني ومطالباته المتواصلة.
لقد حان الوقت لكي ينصت الاسبان للمطالب المغربية بشأن وضعية المدينين والجزر، بغرض التسوية النهائية لهذا الملف المتعب للعلاقات بين البلدين. وأقله وضعية " السيادة المشتركة" كمدخل لحل عادل يرمي إلى تذويب الأثر الاستعماري في انتظار محوه بالكامل واسترجاع المدينتين للوطن الأم، بدل التوجه نحو تقوية وجودها السياسي والعسكري وترسيخ مستقبل كيانها في الثغرين السليبين، ومحاولة إقناع الاسبان بأن المدينتين إسبانيتين وتحريف معلوماتهم التاريخية والجغرافية وتغذية الأسئلة بالفكر العسكري، يوازيه استمرار استغلال الجيش الاسباني لقضية سبتة ومليلية، للتدخل في الشؤون السياسية الداخلية لإسبانيا وعلاقاتها مع المغرب، هذا فضلا عن الحملات الإعلامية المغالية في تخويف الاسبان من المغرب.
وآن الأوان أيضا لإسبانيا كي تحذو حذو دول عالجت إرثها الاستعماري في قضايا مشابهة لقضية المدينتين، أقصد حالة جزر "هونغ كونغ" التي أعادتها إنجلترا إلى الصين سنة 1997، وحالة نقل السيادة على جزر "ماكاو" من البرتغال إلى الصين عام 1999.
الاحتلال الاسباني للمدينتين حاضر والمطالب المغربية باسترجاعهما تظل حاضرة لدى المغاربة، لكن اللافت ان الحديث عن المدينتين لا يبرز إلا عند حلول كل أزمة هجرة جماعية، والتي مع الأسف لا يعقبها المبادرة إلى مقترح حلول لوقف النزيف وتجاوز هذا المشكل الاستعماري الموروث عن زمن بائد، والتوصل إلى تفاهمات.
ــــــــــ صراع إلى متى؟:
الاحتكاك المغربي الاسباني حول التصفية الاستعمارية متواصل، بعدما أبت إسبانيا إلا أن تعاكس المغرب بانسحابها الكامل والنهائي من أراضيه كما فعلت فرنسا شريكتها في الحقبة الاستعمارية، لذلك يلاحظ أن تحرير التراب الوطني من الاستعمار الإسباني جاء على مراحل: 1956 المنطقة الشمالية، 1958 طرفاية، 1969 سيدي إفني، 1975 الصحراء الغربية، وإلى غاية سنة 2022 تم الاعتراف بمغربية الصحراء وبمبادرة الحكم الذاتي كحل لنزاع ساهمت في إطالته. لكن التركة الاستعمارية الاسبانية لم يتم تصفيتها بالكامل بعد، فقد ظلت سبتة (1580م) ومليلية (1497م) ثم جزر صغيرة محاذية للساحل المغربي بمسافة جد قريبة تحت الاحتلال، في تحدي صارخ لقوانين المنطق والتاريخ.
إذا كانت مدريد قد تجاوبت مع المطالب المغربية في الصحراء المغربية. فإن هناك قضايا أخرى لازالت عالقة وعلى الاسبان إبداء الاستعداد الكافي للتفاهم والتسوية، وفي مقدمتها الأرضي التي لازالت محتلة.
يريد الإسبان كل شيء من المغرب دون مقابل، الاستمرار في الصمت عن المطالبة بتحرير سبتة ومليلية وباقي الجزر، يريدون أن يحرس المغرب الحدود المصطنعة لأراضيه المحتلة، يريدون أن يُوقف تدفق هجرة الأفارقة والمغاربة بحرا إلى أراضيها وإلى أوروبا، يريدون أن يُقاوم الهجرة غير الشرعية منفردا ويتحمل تبعاتها وتضخم أعداد اللاجئين الأفارقة، ويريدونه أن يحارب تهريب المخدرات والمساعدة في مكافحة التنظيمات الإرهابية بل حتى في عقر ديارهم، يريدون إعادة فتح الحدود والتنفيس التجاري على سبتة ومليلية، لإعادة ترويج سلعها، التي كان يصل إجمالها إلى مليارات اليورو سنوياً، يريدون عودة تلك الصور البئيسة اللاإنسانية للنساء الحاملات لرزمة البضائع السبتاوية والمليلية، في مشهد غير انساني.
تحاول اسبانيا استغلال الوضع المأساوي للهجرة بالعمل على إقناع الاتحاد الأوروبي بتحويل المدينتين الى قاعدتين لحراسة تدفق المهاجرين نحو القارة الاوربية، ومراقبة الحدود المصطنعة بأموال أوروبية وفق منظور أمني قاصر، في محاولة للهروب إلى الأمام، والابتعاد عن جوهر المشكل بالإبقاء على الوضع كما هو عليه.
لكن المغرب يريد معالجة الداءين المزمن والطارئ من جدورهما، وليس القفز على الاحداث واستغلال مثل هذه المآسي الإنسانية بإلقاء كامل المسؤولية على عاتقه. المغرب يريد أيضا فتح نقاس جاد مع الحكومة الاسبانية والدخول الفعلي في اعتماد خطة عملية او نهج استراتيجية معينة على المدى المتوسط والبعيد، يمكن من إيجاد حل لوضعية سبتة ومليلية وبقية الجزز، وذلك لتفادي أي طارئ غير مرتقب في المستقبل.






