رأي

المصطفى المريزق: حوار مع 'مقاطعة الانتخابات' (الجزء الأول)

في إطار سلسلة الحوارات الافتراضية التي دأبنا على نشرها بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة – شتنبر 2026، نقدم هذا الحوار لنفتح فيه المجال لصوت آخر، ورأي آخر، وموقف ظل حاضرا بيننا لسنوات، له قناعاته ومبرراته، قد نتفق معها وقد نختلف.

بعيدا عن الأحكام المسبقة، وبمقاربة موضوعية ومواطنة، سنحاول أن نفهم: لماذا تقاطع؟ ماذا تريد أن تقول؟ وما الذي يمكن أن يعيدها إلى صناديق الاقتراع؟

لأن تنوير الرأي العام لا يعني فقط الاستماع إلى من يشارك، بل أيضا الإنصات إلى من اختار المقاطعة وفهم أسباب اختياره.

المحاور:

لنبدأ من السؤال الذي يبدو بسيطاً، لكنه ليس كذلك: من أنتِ، أيتها "المقاطعة" التي قررت ألا تصوت؟

المقاطعة:

أنا مواطن لم أفقد اهتمامي بالسياسة، وإنما فقدت الثقة في بعض أشكال ممارستها. أتابع، وأسأل، وأناقش، لكنني لا أجد دائماً في صندوق الاقتراع جواباً عن الأسئلة التي تؤرقني.

المحاور:

إذن أنت لا تقول: «لا يهمني من يحكم»، وإنما تقول: «لم يعد التصويت يقنعني»؟

المقاطعة:

بالضبط. أنا لا أنسحب من المجتمع، وإنما أحتج على طريقة اشتغاله السياسي.

المحاور:

لكن هنا تبدأ أول مفارقة. إذا كنت مهتم بالسياسة، فلماذا تترك واحدة من أهم أدوات المشاركة السياسية؟

المقاطعة:

لأن المشاركة ليست مجرد وضع ورقة في صندوق. المشاركة الحقيقية تعني أن أشعر بأن صوتي مسموع، وأن البرنامج الذي صوت عليه سيتفذ، وأن المنتخب سيظل مسؤولا أمامي بعد الانتخابات.

المحاور:

هل المقاطعة إذن احتجاج أم هروب؟

المقاطعة:

يمكن أن تكون هذا أو ذاك. بالنسبة إلي هي احتجاج. لكنني أعترف أن الاحتجاج إذا لم يتحول إلى فعل مدني وسياسي، يمكن أن يتحول مع الوقت إلى انسحاب.

المحاور:

وهذا اعتراف مهم. لأن المشكلة ليست في أن تقول «لا»، وإنما في ماذا ستفعل بعد أن تقولها.

المقاطعة:

صحيح.

المحاور:

لأن البلاد لن تتوقف عن إنتاج القوانين والميزانيات والسياسات لأنك قاطعت الانتخابات. المؤسسات ستستمر، والآخرون سيختارون، وأنت ستعيش في ظل القرارات التي اتخذها من ذهب إلى الصندوق.

المقاطعة:

هذا صحيح. ولذلك فإن المقاطعة تضعني أمام سؤال أخلاقي وسياسي: هل أكتفي برفض ما لا يعجبني، أم أبحث عن طريقة للتأثير فيه؟

المحاور:

لكن دعنا نكون أكثر صراحة. من المحاور:

هل المشكلة إذن في الوعود الانتخابية؟

المقاطعة:

في الوعود وفي غياب المحاسبة. المشكلة أن الانتخابات أحياناً تصبح لحظة لاستمالة المواطن، وليس لحظة لتعاقد سياسي واضح معه.

المحاور:

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: هل أصبح المواطن هدفاً انتخابياً بدل أن يكون شريكاً سياسياً؟

المقاطعة:

في حالات كثيرة، هذا هو الشعور السائد.

المحاور:

هناك نقد أعمق يقول إن جزءاً من الأحزاب السياسية لم يعد متجذرا في المجتمع كما ينبغي، وأن التنظيم أصبح أحيانا أهم من المجتمع نفسه. هل توافق؟

المقاطعة:

نعم. بعض التنظيمات أصبحت منشغلة بالبقاء التنظيمي، وبالمواقع، وبالتوازنات الداخلية، أكثر من انشغالها بما يحدث خارج أسوارها.

المحاور:

أي أننا أمام أحزاب تتحدث باسم المجتمع، لكنها لا تعيش دائماً مع المجتمع؟

المقاطعة:

هذه إحدى المفارقات.

المحاور:

نفس الوجوه، نفس القواعد، نفس الصراعات الصغيرة على المواقع، وأحياناً نفس اللغة السياسية، رغم أن المجتمع نفسه تغير جذريا.

المقاطعة:

المجتمع تغير أسرع من كثير من التنظيمات السياسية.

المحاور:

وهذا يعني أن أزمة الأحزاب ليست فقط أزمة أشخاص، بل أزمة نموذج سياسي وتنظيمي.

 المقاطعة:

بالضبط. تغيير الأشخاص دون تغيير طريقة التفكير لن يؤدي إلى تغيير حقيقي.