إن نجاح هذا التحول يقتضي أن تصبح الصحة النفسية جزءا من الرعاية الصحية الأولية، وأن يتمكن المواطن من الحصول على الدعم والمواكبة في أقرب نقطة صحية ممكنة، دون أن يكون المستشفى المتخصص هو البوابة الأولى والوحيدة للعلاج. كما يقتضي بناء روابط أكثر قوة بين المؤسسات الصحية والأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية ومكان العمل، لأن الاضطرابات النفسية لا تنشأ دائما داخل المستشفى، ولا يمكن علاجها دائما داخله. وتبدو مسألة الموارد البشرية حاسمة. فالمخطط يستهدف رفع عدد الأخصائيين النفسيين في القطاع العمومي من 32 إلى 786 أخصائيا، وزيادة الطاقة السنوية لتكوين الأطباء المتخصصين في الطب النفسي من 36 إلى 124 طبيبا، والممرضين المتخصصين في الصحة النفسية من 490 إلى 750 سنويا. وهذه الأهداف تعكس إدراكا واضحا بأن الاستثمار في البنيات لا يمكن أن يحقق نتائجه من دون الاستثمار في الإنسان الذي سيقدم الخدمة الصحية. لكن التحدي لن يكون فقط في تكوين هذه الموارد البشرية، بل كذلك في ضمان توزيعها العادل. فالمواطن المغربي لا ينبغي أن تتحدد فرصته في الحصول على خدمة نفسية جيدة بحسب الجهة أو المدينة التي يعيش فيها. ولذلك فإن العدالة المجالية يجب أن تكون إحدى الركائز الأساسية في تنزيل مخطط الصحة النفسية 2030، خصوصا أن جزءا مهما من التفاوتات الصحية في المغرب يرتبط بمسألة التوزيع غير المتوازن للموارد والخدمات. كما أن الإعلان عن العمل على إرساء إطار قانوني منظم لمهنة الأخصائي النفسي يمثل خطوة ذات أهمية خاصة. فتنظيم هذه المهنة لا يتعلق فقط بوضع قواعد إدارية لممارستها، وإنما يرتبط أيضا بحماية المواطن وضمان جودة الخدمات المقدمة له، وتحديد المسؤوليات والمعايير المهنية والأخلاقية، بما ينسجم مع التطور الذي تعرفه منظومة الصحة النفسية والحاجة المتزايدة إلى خدمات متخصصة.
ويكتسي تخصيص ما يقارب أربعة مليارات درهم لتنفيذ المخطط أهمية كبيرة، لأنه يعكس وجود إرادة مالية لمواكبة تنزيل مختلف الإجراءات والتدابير المبرمجة. لكن قيمة هذا التمويل لن تقاس بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، وإنما بما ستنتجه من أثر ملموس على حياة المواطنين. فالمؤشرات الحقيقية لنجاح المخطط ينبغي أن تتجاوز عدد المستشفيات والأسرة والمناصب المحدثة، لتشمل عدد الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على الوصول إلى العلاج، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين جودة التكفل، والحد من الفوارق المجالية، وتعزيز الكشف المبكر، وضمان استمرارية العلاج وإعادة الإدماج الاجتماعي. ويجب كذلك أن يحظى الأطفال والشباب بمكانة مركزية في هذه السياسة الجديدة. فالإشارة إلى وجود حوالي مليوني طفل وشاب ضمن الفئة التي تعاني من اضطرابات في الصحة النفسية تجعل من الضروري التفكير في إدماج الصحة النفسية بشكل أكبر داخل المدرسة والجامعة. فالوقاية الحقيقية تبدأ قبل المستشفى، والكشف المبكر عن الاضطرابات النفسية وتوفير آليات الإحالة والمواكبة يمكن أن يمنعا حالات كثيرة من الوصول إلى مراحل أكثر تعقيدا. كما أن الأسرة نفسها تحتاج إلى التوعية والتكوين حتى تتمكن من فهم الاضطرابات النفسية والتعامل معها بعيدا عن الخوف والوصم والأحكام المسبقة. وهنا نصل إلى أحد أكبر التحديات التي قد تواجه المخطط، وهو الوصم الاجتماعي المرتبط بالصحة النفسية. فقد تتوفر البنية الصحية والطبيب والأخصائي، لكن المريض قد يتردد في طلب المساعدة خوفا من نظرة المجتمع أو من وصفه بصفات سلبية. ولذلك فإن الاستثمار في المستشفيات والموارد البشرية يجب أن يوازيه استثمار حقيقي في التوعية والتثقيف الصحي، حتى يصبح طلب المساعدة النفسية سلوكا صحيا طبيعيا، وليس مصدر خجل أو إقصاء. ومن الإيجابي أيضا أن الوزارة اعتمدت، في إعداد مخطط الصحة النفسية 2030، مقاربة تشاركية شملت 13 قطاعا حكوميا ومختلف الفاعلين المعنيين، وبدعم من منظمة الصحة العالمية. فهذا الاختيار يعكس إدراكا بأن الصحة النفسية ليست مسؤولية وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها الصحة مع التعليم والشغل والأسرة والشباب والثقافة والعدالة والمجتمع المدني والحماية الاجتماعية. غير أن التحدي سيكون في تحويل هذه المشاركة إلى تنسيق مؤسساتي مستدام، يضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات ويمنع تشتت التدخلات.
إن مخطط الصحة النفسية 2030 يمثل، فرصة حقيقية لإعادة بناء السياسة العمومية في هذا المجال على أساس جديد، قوامه الوقاية والقرب والإنصاف والاستمرارية والكرامة. لكنه في الوقت نفسه يجب ألا يتحول إلى مجرد مجموعة من الأهداف الرقمية التي يتم الاحتفاء بتحقيقها في التقارير السنوية. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى مستشفى جديد أو سرير إضافي، وإنما يحتاج إلى منظومة تستطيع الاستماع إليه وتشخيص حالته في الوقت المناسب وتوفير العلاج الملائم ومواكبته بعد العلاج ومساعدته على استعادة مكانته داخل أسرته ومجتمعه. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق تنفيذ مخطط الصحة النفسية 2030 ليس فقط: كم مستشفى سنبني؟ وكم سريرا سنضيف؟ وكم إطارا سنكون؟ بل السؤال الأعمق هو: كم إنسانا سننجح في إخراجه من دائرة المعاناة والصمت والوصم إلى دائرة العلاج والاندماج والكرامة؟






