تحليل

سبتة ومليلية بين الابتزاز الإسباني والصبر الاستراتيجي المغربي

محمد خياري
لا يبدو في الأفق المنظور أن إسبانيا ستتجاوز موضوع ما تسميه " غزوة سبتة ومليلية" ، رغم محاولات المغرب الرسمي ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب التصعيد، والتعاون لحل الإشكالات الناجمة عن تدفق عشرات المهاجرين، أغلبهم من غير المغاربة، على المدينتين، وذلك تزامناً مع احتفالات عيد العرش.

المتابع لوسائل الإعلام الإسبانية سيلاحظ ما يشبه حملة منظمة ضد المغرب، تندرج ضمن سياق ممنهج ومستمر يسعى بالأساس إلى إلقاء المسؤولية عما حدث على عاتق الرباط، سعياً لتحقيق أهداف أخرى متعددة ومتشعبة. وكأن إسبانيا تريد من قضية سبتة ومليلية أن تكون «مسمار جحا» تُعلَّق عليه جميع القضايا التي تراها في غير مصلحتها مع المغرب.

أول هذه القضايا هو التنافس على استضافة نهائي كأس العالم 2030، الذي حوّلته إسبانيا من مجرد منافسة رياضية إلى صراع على المكانة والرمزية والقوة الناعمة. فاستضافة المباراة النهائية لم تعد مجرد حدث رياضي، بل أصبحت تعني امتلاك صورة الحدث الأكثر مشاهدة عالميًا، وتحويل المدينة المستضيفة إلى مركز عالمي مؤقت للنفوذ والاستثمار والسياحة.

تعتمد إسبانيا في رهانها على خبرتها التنظيمية ومكانة ملعبي «البرنابيو» و«الكامب نو»، اللذين يمثلان رمزين رياضيّين عالميّين، بينما يراهن المغرب على «ملعب الحسن الثاني» المرتقب قرب الدار البيضاء، وعلى الدلالة الرمزية لإقامة النهائي الإفريقي في بطولة مئوية مشتركة مع إسبانيا والبرتغال.

إنه ضغط إعلامي ورياضي وسياسي مكثف، يعكس شعورًا إسبانيًا بأن المغرب لم يعد شريكًا تابعًا، بل منافسًا على مركز القيادة الإقليمية؛ ما يجعل اختيار مكان النهائي اختبارًا للنفوذ الناعم أكثر منه قرارًا فنيًّا بحتًا.

ثانيًا: التقارب المغربي–الفرنسي. ففي أكتوبر 2024، وقّع المغرب وفرنسا بالرباط إعلان «الشراكة الاستثنائية المعززة»، إلى جانب حزمة اتفاقيات في قطاعات السكك الحديدية، والطاقة، والهيدروجين الأخضر، والصناعة، والبنية التحتية. وهذا التقارب يرسّخ مكانة المغرب شريكًا أوروبيًّا مرجّح الكفة، ويحدّ من قدرة مدريد على احتكار البوابة الأوروبية للعلاقات مع الرباط.

ومن ثم تراقب إسبانيا بحذر إعادة تموضع باريس في المغرب، لا سيما بعد أن أصبحت أكثر صراحة في دعم الموقف المغربي من قضية الصحراء.

ثالثًا: تمثّل موانئ طنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والداخلة الأطلسي، الركيزة الأعمق في التحوّل الجيو-اقتصادي المغربي. فالميناء الحديث لم يعد مجرد رصيف لتفريغ السفن، بل تحوّل إلى منصة صناعية ولوجستية وطاقية تعيد توجيه سلاسل القيمة وجذب الاستثمارات.

وقد نافس ميناء طنجة المتوسط فعليًّا موانئ إسبانية كبرى مثل الجزيرة الخضراء وفالنسيا، بينما يُنتظَر أن يضيف ميناء الناظور قدرات جديدة في مجال الحاويات والطاقة والغاز الطبيعي المسال، وأن يربط ميناء الداخلة المغرب بعمقه الأطلسي وببلدان الساحل الإفريقي. والخطر الحقيقي على إسبانيا يكمن في فقدان جزء من امتيازها اللوجستي التاريخي إذا نجح المغرب في دمج الموانئ مع الصناعة وشبكات السكك الحديدية وتوفير طاقة تنافسية التكلفة.

رابعًا: تشكّل اتفاقيات التسلح المغربية، بما فيها التعاون الدفاعي مع إسرائيل وشركاء آخرين، انتقالًا من منطق اقتناء الأسلحة إلى بناء استقلال استراتيجي نسبي، ونقل التكنولوجيا، وتوطين بعض الصناعات الدفاعية. وتراقب إسبانيا هذا التحوّل بسبب القرب الجغرافي ووجود نزاع سيادي تاريخي.

خامسًا: ملف الهجرة: إسبانيا، مثل دول أوروبية أخرى، تحتاج إلى اليد العاملة الأجنبية بفعل الشيخوخة الديموغرافية ونقص العمّال في قطاعات متعددة، لكنها تواجه في الوقت نفسه صعود خطابات داخلية توظّف الهجرة والهوية انتخابيًّا. وقد أصبح المواطنون من أصول مغربية جزءًا من النسيج الاقتصادي والثقافي والسياسي الإسباني، وهو تحوّل اجتماعي طويل المدى لا تستطيع سياسات الحدود إيقافه.

سادسًا: سعي المغرب إلى تحقيق أمنه الطاقي يمثّل أحد أهم مصادر استقلال قراره الخارجي. فالمغرب لا يراهن فقط على احتمال اكتشاف الغاز أو النفط، بل يعمل على تنويع الواردات، وتطوير الطاقات الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، وإنشاء بنية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في الناظور. هذا التحوّل يمكن أن يغيّر موقع المملكة من مستورد هشّ للطاقة إلى منصة إقليمية للإنتاج والعبور والتصنيع منخفض الكربون. بالنسبة إلى إسبانيا، قد يحمل ذلك منافسة في تصدير الطاقة الخضراء وجذب الصناعات.

سابعًا: إدارة المجال الجوي فوق الصحراء قضية سيادية وتقنية وقانونية شديدة الحساسية، لأنها تمسّ ما تبقى من آثار الإدارة الإسبانية السابقة للإقليم. يسعى المغرب إلى مطابقة الإدارة الفعلية للمجال الجوي مع سيطرته الترابية والمؤسّساتية، بينما تنظر إسبانيا إلى أي نقل للصلاحيات من خلال اعتبارات الملاحة الجوية والقانون الدولي والتوازنات الداخلية المرتبطة بجزر الكناري. ويمكن قراءة الملف وفق مفهوم «السيادة الوظيفية»، حيث تتحوّل الاختصاصات التقنية، مثل مراقبة الطيران والإنقاذ والخرائط، إلى أدوات لترسيخ واقع سياسي.

ثامنًا: اتفاقات الصيد البحري والفلاحة. فداخل إسبانيا تتأثر بعض الفئات المنتجة سلبًا بمنافسة المنتجات المغربية، في حين تستفيد شركات وموزّعون ومستثمرون إسبان من التعاون والوصول إلى الأسواق وسلاسل التوريد المشتركة. ولهذا تتعايش «إسبانيات متعددة» في الداخل الإسباني: حكومة تعتبر المغرب شريكًا استراتيجيًّا، وقطاعات اقتصادية جاذبة للفرص، وتنظيمات مهنية تخشى المنافسة، وقوى سياسية توظّف ملفّي الصحراء والهجرة. وتضيف أحكام القضاء الأوروبي، المتعلّقة بإدراج الصحراء في الاتفاقات، طبقة قانونية معقّدة تغذّيها تقاطعات المصالح على المستويين الداخلي والأوروبي في ملفات التجارة والقانون والسيادة.

من هنا يمكن القول كخلاصة إن صعود المغرب اقتصاديًّا ولوجستيًّا ودبلوماسيًّا سيعيد توزيع القوة في غرب المتوسط، ولذلك ستسعى إسبانيا إلى حماية موقعها، أحيانًا بالتعاون وأحيانًا بالمنافسة والضغط. وقد تظل سبتة ومليلية أداتين رمزيتين لتعبئة الداخل الإسباني، وربط الأمن بالهجرة والسيادة، لكن المصلحة المغربية ليست في التصعيد الانفعالي، بل في بناء قوة هادئة تراكم الوقائع الاقتصادية والقانونية والدبلوماسية، وتحويل ملف المدينتين من أداة ابتزاز متبادل إلى قضية مؤجَّلة تُدار بالصبر الاستراتيجي. فالدول الصاعدة لا تنتصر برفع النبرة، بل بجعل مصالح الآخرين مرتبطة باستقرارها وازدهارها.