كتب باسكال في «الخواطر» (1670) أن شقاء الإنسان يأتي من أنه لا يستطيع البقاء هادئا في غرفته؛ سرعان ما يهرب من نفسه إلى الثرثرة أو التسكع أو الصخب أو الحروب، لا لأنه يريد ذلك، بل لأنه لا يطيق أن يخلو بنفسه ساعة واحدة. وفي دراسة نشرتها مجلة «ساينس» (2014) طُلب من المشاركين أن يجلسوا وحدهم مع أفكارهم بضع دقائق، ولم يُترك لهم في الغرفة سوى زرّ يُحدث صدمة كهربائية مؤلمة، فاختار ثلثا الرجال وربع النساء أن يصعقوا أنفسهم على أن يظلّوا مع أفكارهم.
لذلك، ليست القراءة تمرينا سهلا؛ ذلك أنها ترغم الإنسان على الجلوس هادئًا في غرفته، وبذل جهد لا يراه أحد، والصبر على متعة لا تأتي منذ البداية. وليس هذا الكسل آفة عصرنا وحده؛ فقد بيّن دانيال كانمان في «التفكير السريع والبطيء» (2011) أن الذهن يعمل بـ«قانون الجهد الأدنى»، وأن الكسل مغروس في طبيعتنا: إذا وجدنا طريقان إلى الغاية نفسها اخترنا أقلّهما مشقّة.
تعيد ترتيب الفقرة الأولى (الصناعة أولًا ثم الآلة الملخِّصة ذروةً لها)، وتصرّح بما بقي ضمنيًا في الثانية: أن الكسل فقد خصمه.
غير أن في زمننا متغيّرين لم يعرفهما الكسل من قبل.
الأول أن الكسل صارت له صناعة كاملة قائمة على قانون الجهد الأدنى: التشغيل التلقائي للحلقة التالية، والتمرير الذي لا ينتهي، والاقتراحات التي توافق أذواقنا وقناعاتنا من دون عناء البحث. ثم جاءت الآلة التي تلخّص، فصار بوسع القارئ، بل الباحث نفسه، أن يطلب خلاصة الكتاب بدل أن يقرأ صفحاته. كل شيء صار مصمَّمًا ليعفي الدماغ من العناء.
والثاني أن الكسل فقد خصمه القديم: الملل. كان الكسول يملّ، والملل ثقيل، فتمتدّ يده في آخر المطاف إلى الكتاب. كان الملل أبا القراءة بالفعل، وقد نشأ معظم القرّاء الكبار في بيوت تقل فيها مشاغل الكدح اليومي. أما اليوم ففي جيوبنا آلات لا تترك للملل فرصة. ولهذا أخذت المجتمعات المتقدمة تسنّ قوانين تحمي الأطفال واليافعين من الشاشات، ومن كسل القراءة الذي هو آفة العصر، لكنه ليس قدره.






