سياسة واقتصاد

حين يطرق "البام" باب التاريخ

عبد العزيز بن صالح (تدوينة)

تكاد التسريبات السياسية تجمع على أن فاطمة الزهراء المنصوري حسمت وجهتها نحو ما يعرف تاريخيا بأحزاب الكتلة الديمقراطية، أو على الأقل أن هذا الاتجاه أصبح أحد أكثر السيناريوهات تداولا في هندسة الأغلبية الحكومية المقبلة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحساب المقاعد وتوزيع الحقائب الوزارية، بل باختيار يحمل من الدلالات السياسية أكثر مما يبدو على سطحه.

السؤال الأول، وربما الأكثر إحراجا هو: هل كان هذا الاختيار من بنات أفكار فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها رئيسة حكومة مكلفة ومنسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أم أنه جاء في سياق توجيه سياسي أوسع؟ السؤال مشروع، لكن الإجابة عنه تحتاج إلى معطيات لا توفرها إلى الآن سوى الكواليس والتسريبات. ولذلك سيكون من السهل جدا أن يتحول السؤال إلى يقين، وأن تتحول قراءة الكواليس إلى «معلومة»؛ وهذا ما ينبغي تجنبه.

لكن حتى إذا افترضنا أن القرار كان قرارا سياسيا مستقلا للمنصوري، فإن اختيارها يظل محملا بالرموز.

فما معنى أن يتجه حزب الأصالة والمعاصرة، بعد ما يقارب عقدين من تأسيسه، نحو أحزاب سبقت وجوده السياسي بعقود؟ وما معنى أن تجد قيادة البام نفسها اليوم وهي تمد يدها إلى الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، أي إلى أحزاب تحمل في ذاكرتها السياسية جزءا أساسيا من تاريخ المغرب الحزبي الحديث؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

فالكتلة الديمقراطية ليست مجرد ثلاثة أحزاب تمتلك عددا من المقاعد يمكن إضافتها إلى رصيد البام للوصول إلى أغلبية مريحة. الكتلة، قبل أن تكون رقما انتخابيا هي ذاكرة سياسية. هي الحركة الوطنية والاستقلال والمعارضة واليسار والصراع حول الديمقراطية والإصلاح الدستوري، وهي أيضا تاريخ طويل من العلاقة المعقدة بين الأحزاب والدولة.

أما البام فهو حزب حديث النشأة مقارنة بهذه الأحزاب، وُلد سنة 2008 في لحظة سياسية مختلفة، وحمل منذ البداية اسما شديد الدلالة: الأصالة والمعاصرة. ومع ذلك ظل سؤال التأسيس يلاحقه في جزء من النقاش السياسي والإعلامي: هل استطاع أن يتحول من حزب حديث النشأة إلى حزب ذي شرعية سياسية ذاتية، أم أن ظلال لحظة التأسيس بقيت حاضرة في صورته؟

وهنا يمكن فهم واحدة من أكثر القراءات إثارة للاهتمام: أن التقارب مع أحزاب الكتلة قد يمنح البام ولو رمزيا علاقة مختلفة بالتاريخ.

ليس المقصود أن البام يستطيع أن يستعير تاريخ الاستقلال أو تاريخ الاتحاد الاشتراكي أو تاريخ التقدم والاشتراكية. التاريخ لا يستعار، والشرعية التاريخية لا تنتقل بمجرد الجلوس إلى مائدة واحدة. لكن التحالف مع أحزاب تاريخية يمكن أن ينتج شيئا آخر: صورة حزب جديد أصبح قادرا على تجميع تيارات سياسية ذات جذور مختلفة داخل حكومة واحدة.

بعبارة أخرى، قد لا يكون البام في حاجة إلى «تاريخ» الكتلة بقدر حاجته إلى المصالحة الرمزية مع التاريخ.

وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحا.

الحزب الذي جاء إلى الحياة السياسية حاملا شعار «الأصالة والمعاصرة» يجد نفسه اليوم أمام أحزاب تمثل، كل بطريقتها جزءا من «الأصالة السياسية» المغربية. فهل تكون المعاصرة هذه المرة هي التي تذهب إلى الأصالة، أم أن الأصالة الحزبية هي التي تدخل إلى المعاصرة من بوابة البام؟

والسؤال لا يتعلق بالبام وحده بل بالكتلة نفسها.

فإذا دخل الاتحاد الاشتراكي إلى حكومة تقودها رئيسة حكومة من الأصالة والمعاصرة، فإننا سنكون أمام صورة سياسية لم يكن من السهل تصورها في لحظات سابقة من تاريخ الحزبين. حزب ولد من رحم الحركة الوطنية واليسار المغربي، وخاض عقودا من المعارضة والصراع السياسي، يجلس اليوم إلى جانب حزب حديث النشأة ارتبط في جزء من الذاكرة السياسية المغربية بتلك اللحظة التي كان فيها الحديث عن «الأحزاب الإدارية» حاضرا بقوة.

هل يعني ذلك أن التاريخ انتصر على الخلافات القديمة؟ أم أن السياسة في النهاية لا تعترف إلا بلحظة الحاضر؟

ربما لا هذا ولا ذاك.

فالسياسة المغربية كثيرا ما أثبتت أن الخصوم التاريخيين يمكن أن يتحولوا إلى حلفاء عندما تتغير هندسة السلطة، وأن الشعارات التي كانت تفصل بين الأحزاب تصبح أقل صلابة عندما تدخل الحسابات الحكومية إلى الغرفة نفسها.

لكن هناك سؤالا آخر أكثر عمقا: هل المنصوري تبني أغلبية البام، أم تبني أغلبية المنصوري؟

فهي ليست مجرد مفاوضة باسم حزبها. إنها تدخل رئاسة الحكومة في لحظة جديدة، وتحتاج إلى أن تمنح التجربة التي تقودها هوية سياسية واضحة. ولذلك فإن اختيار أحزاب الكتلة، إذا تأكد، قد يكون محاولة لبناء صورة مختلفة للحكومة المقبلة: حكومة لا تقوم فقط على الحساب الانتخابي وإنما على جمع ألوان سياسية تحمل ذاكرات متباينة.

وهذا يقودنا إلى الاتحاد الاشتراكي تحديدا.

فالاتحاد ليس مجرد رقم يمكن إضافته إلى الأغلبية. اسمه نفسه يحمل حمولة تاريخية. لذلك فإن وجوده في حكومة تقودها المنصوري سيكون قابلا لقراءات متعددة: هل هو انتقال جديد للاتحاد من المعارضة إلى السلطة؟ هل هو استمرار لمسار التكيف الذي عرفه الحزب منذ تجربة التناوب؟ أم أن الأمر يتعلق هذه المرة بإعادة تعريف موقع الحزب داخل خريطة سياسية لم تعد هي الخريطة التي عرفها جيل التأسيس؟

وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى: البام الذي كان يُسأل عن علاقته بالدولة، قد يجد نفسه اليوم محتاجا إلى أحزاب لها تاريخ طويل في مساءلة الدولة؛ والاتحاد الذي بنى جزءا من هويته على مساءلة السلطة، قد يجد نفسه أمام سؤال جديد حول معنى وجوده داخل سلطة يقودها حزب لم يكن موجودا عندما كان هو يصنع تاريخه.

إنها ليست مفارقة عابرة.

إنها واحدة من علامات تحول الحقل السياسي المغربي نفسه.

فالتحالفات لم تعد بالضرورة تُبنى على التقارب الإيديولوجي ولا على التاريخ المشترك ولا حتى على الخصومة القديمة. إنها تُبنى على هندسة الأغلبية، وعلى القدرة على تدبير البرلمان وعلى توزيع المسؤوليات، وعلى إنتاج صورة سياسية قادرة على الاستمرار.

لكن السياسة ليست أرقاما فقط. فالرموز لها عمر أطول من الحكومات.

ولهذا فإن سؤال شرعية البام سيعود، ولو من باب آخر: هل يحتاج الحزب فعلا إلى شرعية تاريخية؟ أم أن الشرعية الانتخابية والمؤسساتية تكفيه اليوم؟ وإذا كان قد أصبح القوة الأولى في البرلمان، فهل ما زال محتاجا إلى استعارة شيء من تاريخ الآخرين، أم أن سنوات وجوده السياسي باتت كافية لصناعة تاريخه الخاص؟

هنا تحديدا ينبغي ألا نخلط بين الشرعية التاريخية والشرعية الانتخابية. الأولى تُكتسب عبر مسار طويل من التراكم السياسي، والثانية يمنحها الناخبون في لحظة انتخابية محددة. وقد يكون البام قد راكم من الثانية ما يسمح له بأن يبدأ فعليا في كتابة تاريخه الخاص.

لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا الكتلة؟

ربما لأن السياسة لا تبحث دائما عن الشرعية التي تملكها، بل عن الشرعية التي تحتاج إلى أن تُرى بها.

ومن هذه الزاوية، فإن اجتماع البام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة لصناعة مشهد تتجاور فيه شرعيات مختلفة: شرعية الحركة الوطنية، وشرعية اليسار وشرعية العمل الحكومي وشرعية الانتخابات وشرعية حزب جديد يريد أن يثبت أنه لم يعد مجرد ابن للحظة تأسيسه.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجا: من الذي يحتاج إلى الآخر أكثر، البام إلى الكتلة أم الكتلة إلى البام؟

إذا كانت المنصوري قد اختارت فعلا أن تجعل من أحزاب الكتلة نواة لأغلبيتها، فإننا لا نكون فقط أمام مناورة لتجميع المقاعد بل أمام لحظة سياسية تختبر فيها الأحزاب معنى تاريخها نفسه.

فالبام، الذي ظل جزء من النقاش حوله يدور حول سؤال النشأة والشرعية، يجد نفسه اليوم واقفا على عتبة أحزاب لا تحتاج إلى أن تشرح من أين جاءت، لأنها تحمل تاريخها معها. والاستقلال لا يحتاج إلى شهادة ميلاد سياسية، والاتحاد الاشتراكي لا يحتاج إلى استحضار عقود المعارضة ليبرهن على حضوره في الذاكرة السياسية، والتقدم والاشتراكية يحمل بدوره إرثا سياسيا لا يمكن اختزاله في عدد المقاعد.

لكن المفارقة أن هذه الأحزاب التاريخية هي التي قد تجد نفسها، في نهاية المطاف، تمنح حزبا حديث النشأة فرصة للظهور في صورة جديدة.

وهنا تصبح المسألة أكثر قسوة:

هل ينجح البام في أن يكتب تاريخه الخاص، أم أنه سيظل محتاجا إلى الجلوس بجوار تاريخ الآخرين كي يثبت أنه أصبح جزءا من التاريخ؟

أما المنصوري، فإن التحدي السياسي أمامها لا يكمن فقط في جمع هذه الأحزاب حول طاولة واحدة، وإنما في منع هذا الجمع من أن يتحول إلى مجرد تحالف مصالح يرتدي معطف التاريخ.

لأن استدعاء الكتلة إلى الحكومة شيء، واستعادة روح الكتلة شيء آخر.

وإذا كانت المنصوري تراهن على الرمزية التاريخية لهذه الأحزاب لتمنح حكومتها عمقا سياسيا فإن السؤال الذي سيلاحقها منذ اليوم الأول سيكون أكثر مباشرة:

هل جاءت الكتلة إلى حكومة المنصوري لتستعيد دورها في صناعة المستقبل، أم جاءت لتمنح البام ما ظل يبحث عنه منذ تأسيسه: شهادة اعتراف من التاريخ؟

في النهاية، قد لا يكون الرهان الحقيقي في هذه الهندسة الحكومية هو عدد المقاعد التي ستوفرها الكتلة، وإنما المعنى السياسي الذي ستمنحه للأغلبية المقبلة.

فإذا اختارت المنصوري فعلا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فإنها تكون قد اختارت، في لحظة سياسية دقيقة، أن تجعل من التقاء أجيال حزبية مختلفة أساسا لبناء السلطة التنفيذية. وهذا يعني أن البام لا يعود مجرد حزب يقود حكومة، بل يصبح أمام امتحان تاريخي: هل يستطيع أن يتحول من حزب حديث النشأة إلى حزب يقود مرحلة سياسية؟

وهنا تنتهي فائدة الحديث عن «الحزب الإداري» بوصفه تفسيرا كافيا للبام. فالشرعية التي تصنعها صناديق الاقتراع لا تلغي أسئلة النشأة، لكنها تمنح الحزب فرصة للإجابة عنها بالفعل السياسي. فإذا كان البام قد احتاج في بداياته إلى تفسير مصدر وجوده، فإنه اليوم مطالب بأن يفسر مصدر بقائه وقوته ومشروعه.

أما المنصوري، فإنها لا تملك ترف أن تجعل من هذه الأغلبية مجرد تسوية بين الأحزاب. فالتحالف الذي يجمع قوى ذات تاريخ متباين يحتاج إلى مركز سياسي واضح، وإلى برنامج يبرر جمعها، وإلى قيادة تستطيع تحويل التناقضات إلى قرار حكومي.

ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في لحظة إعلان الحكومة، بل في اليوم التالي لإعلانها.

إذا نجحت المنصوري في تحويل هذه التركيبة إلى مشروع سياسي متماسك، فقد يكون البام قد قطع فعلا المسافة الأخيرة بين حزب ولد في لحظة سياسية معينة وحزب يصنع لحظة سياسية جديدة.

أما إذا بقيت الكتلة مجرد رصيد انتخابي، وبقي التاريخ مجرد ديكور رمزي حول طاولة الحكومة، فإن المشهد سيكون شيئا آخر تماما: تحالفا ضروريا للأرقام، لكنه عاجز عن إنتاج معنى سياسي جديد.

لهذا فإن السؤال لم يعد: هل اختارت المنصوري الكتلة؟

السؤال أصبح: ماذا تريد أن تفعل بهذا الاختيار؟

لأن جمع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية حول البام قد يصنع حكومة.

لكن تحويل هذا الجمع إلى مرحلة سياسية جديدة هو الذي سيحدد إن كان البام قد دخل فعلا تاريخ الأحزاب المغربية، أم أنه لا يزال يبحث عن مكانه فيه.

وفي هذه النقطة تحديدا ستُختبر المنصوري: ليس باعتبارها رئيسة حكومة مكلفة بتوزيع الحقائب، وإنما باعتبارها سياسية مطالبة بأن تجيب بالفعل عن السؤال الذي ظل يطارد حزبها منذ ولادته:

هل يستطيع الأصالة والمعاصرة أن يصبح «أصالة» سياسية مكتملة بذاتها، أم أن معاصرته ستظل محتاجة، في كل منعطف إلى استعارة شيء من تاريخ الآخرين؟