مجتمع وحوداث

هل تعيد "ثورة الطلاب" الكَرّة في أوروبا كما في أواسط ستيات القرن الماضي؟

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
ما يقع الساعة في باريس ومدن فرنسية أخرى، وفي بروكسيل ببلجيكا، بين الطلبة وكلٍّ من السلطات العمومية وقوات الأمن، يعيد إلى الذاكرة تلك الثورة العارمة التي أشعلها الشيوعي الفرويدي "هربرت ماركوز"، والتي أفضت إلى الإطاحة بالجنرال ديغول سنة 1968، حيث استقال هذا الأخير من الرئاسة، "مضطرّاً لا بطلاً"، وحيث كانت باقي أنظمة الدول الأوروبية في تلك الآونة تتحسس رؤوسها مخافة أن تسقط فيها فأس ذلك الانقلاب الطلابي المُهْوِل.


اليوم، وبداية من الأمس وأول أمس، اندلعت في شوارع العاصمة الفرنسية ونظيرتها البلجيكية مظاهرات حاشدة لم تقتصر على إطلاق الشعارات، والصدح بالمطالب، بل تطورت في مواقع غير قليلة إلى ما يشبه حركات العصيان المدني، مع ما يستتبع ذلك من تكسير لواجهات المولات والمحلات التجارية الكبرى، والانخراط في عمليات نهب ممنهجة، مع إضرام النيران في العجلات المطاطية وصناديق القمامة، لتتحول العاصمتان الأوروبيتان إلى مسرحين لفوضى عارمة لا يبدو أنها ستتوقف في منظور الساعات والأيام، ما لم تقع تفييرات جذرية في حكومتي البلدين، وفي البرامج الحكومية لديهما، والتي لم تعد مقبولة من لدن الشعبين الفرنسي والبلجيكي. ولا غرابة إذا انتقل كل ذلك كالنار في الهشيم باتجاه باقي دول الاتحاد المريض.

بعض الظرفاء شبّه هذه الحالة الفرنسية البلجيكية بالربيع العربي، الذي شهدته بدايات هذه العشرية الثانية، في تونس أولا، ثم في أصقاع عربية أخرى، قبل أن ينتهي إلى خريف تقهقرت فيه طموحات التغيير في كل بلدان العرب، التي تفاعلت مع ذلك الربيع المفترَى عليه بشكل أو بآخر.

بيد أن هذا التشبيه رغم طرافته ليس دقيقاً كل الدقة. فالربيع العربي كان ثورة جياع، وثورة كرامة، ضد أنظمة شمولية مغلقة، كنظام بنعلي في تونس، ومبارك في مصر... أما ما يقع اليوم في قلب أوروبا فهو ثورة وعي شبابي ضد أنظمة تدعي الديمقراطية وتمارس تقشفاً غيرَ منطقي، لأنه ينبني على مفارقة في غاية الغباء: الإنفاق بسفه على المشاركة في حروب لا علاقة للدول المنفقة باندلاعها؛ وفي الوقت ذاته ترك المجتمع يعاني من العطالة وانسداد الأفق وخاصة لدى الشباب.

إن الطالِبَ الفرنسي ونظيره البلجيكي لا يخرجان اليوم لأنهما جائعان بالمعنى المادي المباشر، بل لأنهما يريان مستقبلهما كله يتبخر. يريان أن شهادتهما الجامعية لم تعد تضمن لهما سكناً ولا شغلاً، وأن حكومتي بلديهما تنفقان المليارات على حروب الناتو، وعلى دعم آلة الحرب في أوكرانيا، وفي غيرها، بينما ترفع الدعم الاجتماعي عن شباب البلدين معاً وتفرض عليهم ضرائب جديدة من شأنها أن تصيب قدرتهم الشرائية في مقتَل.

ثم هناك العامل الأخلاقي، الذي غفلت عنه تحليلات الإعلام الرسمي الأوروبي بالجملة. فهؤلاء الطلبة هم أنفسهم الذين خرجوا قبل أشهر لنصرة غزة، ثم اكتشفوا أن ديمقراطية بلدانهم انتقائية. ذلك أن حرية التعبير تكون مكفولةً حين يتعلق الأمر بانتقاد موسكو أو بكين، ولكنها تصبح مُجَرَّمة ومقموعةً حين يتعلق الأمر بانتقاد عواصم أخرى. هذا الكيل بمكيالين هو الذي فجّر الوعي الأخلاقي لدى جيل كامل، وجعله يكتشف زيف الشعارات الكبرى في فرنسا وبلجيكا وباقي بلدان الاتحاد الأوروبي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي.

لآجل هذا، فالسلطات في باريس وبروكسيل لا تواجه اليوم مجرد احتجاج مطلبي عابر، كذلك المتعلق برفع سن التقاعد، أو بالغلاء الفاحش للمعيشة، كما تحاول أن تسوّق ذلك أبواقها الإعلامية والدعائية، بل تواجه قطيعة جيلية كاملة.

إنها القطيعة مع نموذج اقتصادي، نيوليبرالي متوحش، لم يعد يقدم أي وعد يهدّئ من رَوْع الشباب، ويفتح أمامهم آفاق المستقبل، ومع طبقة سياسية هرمة لم تعد تمثل أحداً سوى مصالح اللوبيات الدائرة في فلكها والخادمة لأجنداتها غير الشعبية، ثم مع إعلام رسمي فَقَدَ مصداقيتَه. وهو نفس المناخ بالذات، الذي سبق انفجار ثورة الطلبة في سنة 1968.

وما أشبه اليوم بالبارحة. فكما أفشلت الأنظمة العربية الربيع العربي بتحويله من ثورة على الاستبداد، إلى فوضى أمنية وتخريب، تحاول أنظمة الاتحاد الأوروبي من جهتها، أن تحوّل ثورة الطلاب من ثورة على سياسات التقشف والتبعية، وعلى الانخراط في حروب لا ناقة للشعوب فيها ولا جمل، إلى مجرد أعمال شغب ونهب وتكسير، لتبرير القمع وإعلان حالة الطوارئ. لكن دروس التاريخ علّمتنا أن فأس الطلاب إذا سقطت مرة، فإنها لن تخطئ الرؤوس التي "أينعت وحان قطافها" في المرة الثانية. والاتحاد المريض اليوم قد دخل فعلاً مرحلة العد العكسي، وما باريس وبروكسيل إلا البداية... و... عجبي !!!