سياسة واقتصاد

كل شيء على ما يُرام لِبوريطة !

نور الدين اليزيد (صحفي)

هذه الصور نشرها وزير خارجية إسبانيا خوسي مانويل ألباريس قبل قليل على حسابه في "إكس"، مع وزير خارجيتنا ناصر بوريطة الذي خرج للتو من السفارة الأمريكية في مدريد بعد مشاركته في الاجتماع التشاوري لأطراف نزاع الصحراء الذي دعت إليه أمريكا، واستدعت لحضوره ممثلي كل من المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو كما حضره المبعوث الأممي إلى الصحراء ستافان دي ميستورا!! 

علامات الانشراح والسعادة بادية على السيد ناصر بوريطة، والتي تتعدى كونها فقط نابعة من لقائه بألباريس، وتمتد لتكون عنوانَ زيارته الاستثنائية ككل لمدريد تلبية لدعوة ساسة البيت الأبيض، من أجل الاطلاع على النسخة المغربية المنقحة والموسعة لمقترح الحكم الذاتي، في أفق فرضه على باقي الأطراف، وعلى ما يبدو كل المؤشرات تفيد أن العملية تسير بنجاح وإن تم التمديد لأجلها بعض الأسابيع الأخرى لا تتعدى شهر ماي المقبل! 

وفي ظل غياب بيانات رسمية من الأطراف المعنية اكتفت واشنطن عبر حساب وزارة خارجيتها وكذا بعثتها بالأمم المتحدة على موقع "إكس" بتغريدة موجزة أكدت فيها رسميا ولأول مرة وجود تلك المشاورات في مدريد قائلة حرفيا: "قامت وفود رفيعة المستوى من الولايات المتحدة والأمم المتحدة بتيسير المناقشات في مدريد بإسبانيا مع المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 (2025) بشأن الصحراء الغربية". 

التكتم الذي فُرض على ما سمته واشنطن "المناقشات"، وهي الأولى من نوعها، تجمع الأطراف المعنية مباشرة بالنزاع، وهو التكتم الذي كشفت بعض المصادر أنه فُرض على المشاركين التحلي والالتزام به، تسعى من ورائه واشنطن إلى جعل هذه الخطوة/"المناقشات" التي دعت إليها أكثر نجاعة وفعالية وبعيدا عن الكليشيهات والبروتوكولات وأخذ الصور دون نتائج تذكر، ولذلك فإن الوقت بالنسبة لواشنطن لم يكن مناسبا لذلك أو على الأقل لم يحن وقته بعد، وهو ما جعل المبعوثَين الأمريكيين إلى هذا اللقاء، كلا من مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس والممثل الدائم للولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة مايك ولتز، يضطران على تمديد اللقاء الذي انطلق يوم أمس الأحد إلى اليوم الاثنين بعد أن فشل "المتناقشون" في عدم إحراز تقدّم. 

وبحسب ما سرب للصحافة الاسبانية فإن النقاش كان حول خطة الحكم الذاتي الجديدة التي قدمتها الرباط، والتي تبلغ الآن 40 صفحة مفصلة فيها الخطة المغربية، التي تعتبر المقترح أو "الوثيقة الوحيدة المطروحة على طاولة النقاش"، بينما لم تُقبل أي مقترحات أخرى، والمقصود ما كانت تلوح به كل من الجزائر والبوليساريو، وهو ما يبدو كان سببا في تأخر التوصل إلى توافق، واضطرت معه واشنطن إلى ممارسة المزيد من الضغط، لأجل عقد جلسة أخرى ثانية جرت مساء اليوم الاثنين، وعلى ضوئها توصل الأطراف إلى ما يشبه الاتفاق المبدئي على تشكيل لجنة تقنية متكاملة دائمة تضم ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بمشاركة خبراء آخرين إضافة طبعا إلى ممثلي الولايات المتحدة والأمم المتحدة اللتين تبنتا هذه الصيغة؛ ومهمة هذه اللجنة التقنية هي دراسة وصقل ما قدمه المغرب من خطة موسعة !

الثابت إذن في هذه المبادرة غير المسبوقة في مسار نزاع الصحراء، وكما تم تسريبه لحد الآن على الأقل، هو أولا حصرية المقترح المغربي (الحكم الذاتي)، كورقة وحيدة على طاولة المناقشات، وثانيا تساوي وتوازن الأطراف من حيث التمثيلية والصفة كأطراف معنية، وإن بدرجات متفاوتة، وهو ما تقرره وتحدده الأيام المقبلة من خلال ما سيصدر عن كل طرف على حدة، بحيث إذا كانت موريتانيا ليس لها ما تقدم كاقتراحات ذات وزن كبير وهو ما يجعلها أقرب إلى موقف "المراقب"، فإن الجزائر ومعها البوليساريو سيسعيان ما أمكنهما ذلك وما سمحت به واشنطن إلى تقديم مقترحات موسعة أو أكثر جرأة على ما ورد في المقترح المغربي، بحيث يتماشى وما يرفعانه كشعار من "تقرير مصير الشعب الصحراوي"، في سياق البحث عما يمكن أن يحفظ لهما ماء الوجه، وما يسمح لهما بالتصريح بأن الأمور سارت وانتهت إلى مآل "لا غالب ولا مغلوب" !


نور الدين اليزيد (صحفي)