هناك من لم يستوعب كامل الاستيعاب مفهوم الدولة الحديثة ، ودور الدولة في تنظيم الحريات وعقلنة المجتمع والسهر على الخدمات وعقلنة التدبير الاجتماعي ، أي تدبير مشاكل المجتمع تدبيرا عقلانيا مبنيا على الحساب وعلى الملاحظة والوعي العلمي . ولهذا ظهر وكأن هناك صراعا بين الوعي العصري الذي تمثله الدولة مهما كانت درجة عقلانيته ، وبين بقايا الأعماق الاجتماعية التي لا يزال يسيطر عليها وعي تقليدي غيبي ، ويبدو أن الوعي العقلاني للدولة يفرض نفسه بحكم الضرورة والتطور .
ان الحاجة إلى تأسيس الدولة والتدبير السياسي للدولة فرضته ضرورة إيجاد حلول للمشاكل التي تطرحها الطبيعة أمام الانسان . هذا الأخير مطالب ببناء الدولة للحفاظ على انسانيته ، لأنه بفعل الثقافة ( القوانين والدساتير والمؤسسات ) ، يستطيع ان يعوض ما لم تمنحه الطبيعة اياه ؛ فالسلوك والعلاقات الإنسانية هي نتائج اختيارات سياسية واعية .
ان الدولة مؤسسة سياسية أساسية للفرد والمجتمع ، فغاية وجودها هو الحفاظ على إنسانية الإنسان وتهذيب قدراته وامكاناته الطبيعية ، وتنظيم حياته الاجتماعية . فضلا عن الحفاظ على وحدة المجتمع وتوازنه بما يخدم مصالحها العامة . والدولة القادرة على الإستمرارية هي الدولة الشرعية التي تحاول إقرار الحق والمبنية على تعاقد اجتماعي ، ينظم الممارسة السياسية...
تعيد الأزمات الكبرى الدولة إلى عصرها الذهبي ، الى تلك الحالة التي تشكل حدا فاصلا بين حالة الطبيعة وحالة الثقافة ، وفي حالات الأوبئة والأزمات الكبرى ، حيث يسود منطق الغريزة ، يجد المواطنون حصن نظامهم وانتظامهم المنيع ، انهم يعودون للحالات الأولى للتعاقد ، تلك النظريات التي أرساها جون جاك روسو وغيره من فلاسفة الأنوار ، وحيث ذلك المنطق الحاسم ، إما الدولة أو الخراب ...
ف" هوبس " يرى أن الغاية من انشاء الدولة كمجتمع سياسي هي ضمان السلم المدني ومنع الحرب الدائمة بين الأفراد ، فالدولة ما هي إلا نتاج لميثاق تعاقدي بين البشر ، انتقلوا بموجبه من حالة الطبيعة ( حرب الكل ضد الكل ) الى حال المدنية ، وذلك من خلال تنازل كل فرد بمحض ارادته عن جزء من حريته الخاصة أو سلطته أو قوته لصالح رجل واحد أو مجلس واحد ، يخضع له كل أفراد المجتمع ، تضمن الأمن والسلم الاجتماعيين ...ويرى اسبينوزا بأن الغاية من تأسيس الدولة هي تحقيق الحرية وتمكين كل مواطن من الحفاظ على حقه الطبيعي في الوجود باعتباره وجودا حرا ، دون الحاق الضرر بالغير ، وبالتالي فهذه الحرية التي يشير إليها " باروخ " هي حرية أخلاقية ، لا تتعارض مع العقل ، بحيث تبتعد عن الحاق الضرر بالاخرين ، كما تحرر الانسان من العنف والخوف ...
وتتأسس مشروعية الدولة ، عند جون لوك ، على ضرورة حماية أمن الناس وسلامتهم وممتلكاتهم ( الحياة ، الحرية ، سلامة البدن ، الأرض ، النقود ، المنقولات ...) ، وذلك انطلاقا من قوانين مفروضة بشكل متساو على الجميع ، وأي شخص يحاول انتهاك هذه القوانين ، يعاقب بتجريده من بعض او كل تلك الخيرات التي كان من المفروض أن يتمتع بها في ظل الحكم المدني ...
ما نعيشه اليوم ، هو تلك العودة الوجدانية والفلسفية الى أصل نشوء الدولة كتعاقد اجتماعي ، الى وظائفها الكلاسيكية : الحفاظ على الحياة ، حفظ الصحة ، حماية الأمن ، توفير الغذاء ...
عبر العالم صارت الدولة الفاعل السياسي الوحيد ، وتراجع فاعلو الظروف العادية إلى الخلف . تبدو الدولة ، والحالة هذه مثل أم تخاف على أبنائها ؛ تنصحهم تارة ، وتوجههم تارة أخرى ، وحين لا ينضبطون للقرارات التي فيها مصلحتهم ومصلحة الجماعة ، تلجأ الى العنف المشروع ، الذي يتقبله الجميع كعنف مستحق ...
ولا يقاوم المواطنون قرارات الدولة في مثل هذه الظروف ، بل يتعبؤون للدفاع عنها والترويج لها ، وأيضا مواجهة من يتمردون عليها ، إن المقولة صارت معروفة : " الدولة كدير خدمتها ، وخاص الشعب ادير خدمتو " .
وبعد أن كان الأفراد يتبرمون من الأساليب القهرية للدولة ويميلون غريزيا نحو التمرد عليها ، من منطلق غريزة الخوف ، برضى تام ، بل إن منهم من يطالب بالمزيد ، وتطبيق العقوبات الأكثر تشددا في حق من يرفضون الامتثال لأوامر السلطة القهرية . فما يميز الدولة الحديثة _ في نظر ماكس فيبر - هو تلك العلاقة الوطيدة التي تقيمها مع العنف ، فهي وحدها التي تحتكر حق ممارسة العنف المشروع الذي لا يتنافى مع كونها تجمعا سياسيا وعقلانيا وقانونيا ، والذي به يتم ضمان الأمن والاستقرار الجماعيين وباقي الحقوق الأخرى . ان الترجمة الفعلية لمفهوم الحق على مستوى الدولة تتجلى في اضفاء الشرعية على ممارسة أي وسيلة عنف داخل ترابها ، " يجب ان نتصور الدولة المعاصرة كتجمع بشري ، يطالب في حدود مجال ترابي معين بحقه في احتكار استخدام العنف المادي المشروع وذلك لفائدته " . وقبل ماكس فيبر ، اعتبر كانط ان عنف الدولة ، كيف ما كانت درجته ، هو عنف مشروع ولا يجوز مواجهته بعنف غير مشروع ، لأن ذلك بدون معنى ونتائجه وخيمة . ويستند موقف كانط الى تصور معين للقانون ينظم العلاقات بين الحاكم والمحكومين ، وهو تصور يستبعد نهائيا " كل قانون مزعوم لخرق القانون " ويعتبره بدون معنى .
وسجلنا " الجهاز القمعي " للدولة لحظة كورونا ينزل الى الشوارع لإرغام الناس على البقاء في بيوتهم وفي لحظة الفيضانات في الغرب والشمال لإرغام الناس على إخلاء منازلهم ومغادرة مدنهم ، الكل يصفق للاجراءات المتشددة ، لا أحد يحتج أو يشهر دفوعاته الشكلية ، صار " الجهاز القمعي " حارس الحياة والأمن الفردي والجماعي .
لم يسبق للدولة أن كانت مطاعة مثلما عليه اليوم ، بل إن انقلابا حادا وقع فيه الوجدان العام حيالها ، قبل عشر سنوات وبعدها بقليل ، كانت الدولة الأكثر إثارة لمشاعر الغضب منها والاحتجاج عليها ، لكنها اليوم تحوز كل الحب والتقدير المتاحين . إن الخوف وغريزة البقاء ، يعيدان صياغة الموقف من أساليبها القهرية ، وبعد أن كانت قساوتها مدانة ، صارت اليوم موضوع طلبات شعبية متزايدة ..






