متى كانت آخر مرة فرض فيها المجتمع إيقاعه على الدولة؟
هذا السؤال يفرض نفسه عليّ كلما تابعت طبيعة القرارات الكبرى في المغرب خلال السنوات الأخيرة. المجتمع لم يختفي، و الدولة ليست معزولة عنه، و رغم ذلك فإن اتجاه العلاقة نفسه تغير. لم تعد الدولة تتحرك، كما كان يحدث في مراحل سابقة، أساسا تحت ضغط اجتماعي مباشر، بل أصبحت تتحرك وفق منطقها الخاص، وفي توقيت تحدده هي.
في تجارب سابقة من تاريخ المغرب الحديث، كان التغيير غالبا نتيجة تفاعل واضح: أزمة اجتماعية، توتر سياسي، أو ضغط نقابي، يفتح مرحلة جديدة من الإصلاح أو إعادة التوازن. المجتمع، بهذا المعنى، جزء من إنتاج اللحظة السياسية. لم يكن يقرر وحده، لكنه كان يفرض حضوره داخل القرار.
اليوم، يبدو أن هذا النمط تراجع.
جزء مهم من السياسات العمومية لم يعد ينتظر لحظة ضغط لكي يظهر. برامج اجتماعية كبرى، إصلاحات هيكلية، وإعادة تنظيم قطاعات كاملة، تُطلق ضمن رؤية استباقية، و ليس كرد فعل على مطلب اجتماعي مباشر. الدولة لم تعد تكتفي بإدارة التوازنات القائمة، بل أصبحت تعيد رسمها قبل أن تتحول إلى أزمة.
هذا التحول يعكس، من منظوري انتقال الدولة من موقع الاستجابة إلى موقع المبادرة.
الدولة الآن لا تحتاج إلى لحظة توتر لكي تبرر تدخلها، أصبحت تشتغل وفق تصور مسبق لمجال تدخلها. هذا يمنحها قدرة أكبر على التحكم في الزمن، لكنه، في المقابل، يغير موقع المجتمع داخل هذا الزمن.
لم يعد المجتمع يفتح اللحظة…إنما يجد نفسه داخلها بعد أن تبدأ.
هذا لا يعني أن المجتمع فقد وجوده، لكنه فقد جزئيا موقعه كعامل توقيت. ليس هو من يحدد متى تبدأ الحركة لقد أصبح يتفاعل مع حركة بدأت بالفعل.
أفهم أن هذا التحول يرتبط بتعزيز الدولة لقدراتها المؤسساتية. كلما أصبحت الدولة أكثر تنظيما، وأكثر امتلاكا لأدوات الفعل، كلما أصبحت أقل اعتمادا على رد الفعل. تصبح المبادرة جزءا منتعريفها لنفسها.
لكن هذا يطرح، في المقابل سؤالا سياسيا مختلفا، لا أتساءل حول قدرة الدولة على الفعل،السؤال هنا حول موقع المجتمع من هذا الفعل.
الدولة لا تنتظر المجتمع و لا تحتاج إلى أن تُستدعى. أصبحت حاضرة سلفا، تتحرك وفق منطقها، وتطلب من المجتمع أن يلتحق بإيقاعها، عند هذه النقطة بالضبط لا تختفي العلاقة بل تتم إعادة صياغتها.
المجتمع لم يعد هو الذي يدفع الدولة إلى التحرك، انتهى ذلك الزمن، و نحن الآم في فترة أصبحت الدولة هي التي تحدد متى، وكيف، ولماذا تتحرك… ثم تترك للمجتمع مهمة التكيف مع هذه الحركة..






