قد يبدو هذا الاستنتاج متطرفاً. ومع ذلك، فقد أصبح واضحاً لملايين المواطنين في جميع أنحاء العالم: الديمقراطية التمثيلية لم تعد تمثل. إنها تنظم. إنها تضع الإطار. إنها تحيد. لكنها لم تعد تمثل.
هنا لا يكمن فشل أخلاقي فقط، بل انهيار بنيوي. والمشكلة أننا نعالج انهياراً بنيوياً بأدوات أخلاقية، فنزيد الطين بلة.
المشكلة ليست أخلاقية. إنها هيكلية.
عندما يكون هيكل الحزب قائماً على الولاء قبل الكفاءة، والطاعة قبل الاجتهاد، والترقب قبل المبادرة، فإن أي إصلاح أخلاقي يبقى سطحياً. يمكنك تغيير القادة، وتنقية النوايا، وتجديد الدماء، لكن الآلة الحزبية — بآلياتها في الاصطفاء والترقية والرقابة — ستعيد إنتاج ما كانت تنتجه. ليس لأن من يديرها فاسدون، بل لأنهم مطيعون. والطاعة في السياسة أخطر من الفساد، لأن الفساد يمكن كشفه، أما الطاعة فتُتخذ فضيلة.
منذ عام 1943، كانت الفيلسوفة سيمون فيل قد وضعت تشخيصاً يتسم بوضوح لا هوادة فيه: الحزب السياسي هو آلة لتصنيع العاطفة الجماعية وممارسة الضغط على الفكر الفردي. غايته ليست الحقيقة، بل نموه الخاص.
لم يتغير شيء. أو بالأحرى، تفاقم كل شيء.
اليوم، لم يعد المواطن يختار رؤية. بل يختار معسكرًا. ولم يعد المنتخب يدافع عن قناعة. بل يدافع عن خط. ولم يعد البرلمان يناقش. بل يصادق.
خذ أي برلمان في العالم. انظر إلى كيف يصوت النواب. ستجد أن الغالبية العظمى لا تصوّت بناءً على قناعة شخصية أو دراسة متأنية، بل بناءً على تعليمات الحزب. في بعض الديمقراطيات العريقة، تصل نسبة التصويت الملتزم بالانضباط الحزبي إلى أكثر من 90%. هذا يعني أن البرلماني، بعد أن يقسم اليمين على الأمة، يظل مقيداً بقرار لجنة مركزية صغيرة. أين الديمقراطية هنا؟ أين التمثيل؟
والنتيجة معروفة: انعدام ثقة عام، وكلمة سياسية فقدت مصداقيتها، وانقسام متزايد بين المجتمع الحقيقي والنظام المؤسسي.
يُقال لنا إنه لا بد من إصلاح الأحزاب. هذا مجرد وهم. فلا يمكن إصلاح هيكل يعتمد في عمله بالضبط على ما يجعله ضارًا.
علينا أن نجرؤ على طرح فرضية أخرى: وهي فرضية زوالها.
إلغاء الأحزاب السياسية لا يعني إلغاء السياسة. بل يعني تحريرها.
تحرير المنتخب، أولاً. طالما ظل هذا الأخير يعتمد على ترشيح من أجل البقاء، فسيظل خاضعاً. ليس فقط للجنة مركزية، بل لمنطق البقاء ذاته. الشجاعة السياسية لا تتوافق مع الانضباط الحزبي. المنتخب الحر هو المنتخب الذي لا يخشى أن يخسر مقعده لأنه قال ما يعتقده. أما المنتخب الخاضع للرقابة لأمين الحزب، أو للجنة التأديب، أو لـ "الكتلة" فهو مجرد منفذ. وليس في الوكالة شجاعة، وليس في التنفيذ إبداع.
تحرير الفكر، بعد ذلك. لماذا يجب أن يكون المرء «يسارياً» أو «يمينياً» في جميع القضايا؟ لماذا لا يمكن للمواطن أن يكون متطلباً في الشؤون الاقتصادية، وواقعياً في قضايا البيئة، ومحافظاً في بعض القضايا المجتمعية؟ الواقع معقد. والأحزاب تبسطه إلى درجة تشويهه.
وكما ذكر شارل ديغول، لا تقتصر الأمة على انقساماتها. إنها تتجاوزها.
وأخيراً، تحرير القرار العام. في نظام بلا أحزاب، لم تعد الأغلبية ثابتة. فهي تتشكل مع كل قانون، على أساس الحجج وليس الانتماءات. تتوقف السياسة عن كونها صراعاً دائماً لتعود وتصبح مساحة للبناء.
للمضي قدماً، هناك بدائل متاحة. ليست حلولاً جاهزة، بل بوابات تفكير.
القرعة، التي أشاد بها أرسطو من قبل، تسمح بكسر احترافية السياسة. لا أحد يترشح، لا أحد يعد، لا أحد يستدين ولاءات. المواطن يُختار كما تُختار هيئة المحلفين: لتكون حكماً لا وكيلاً.
الأدوات الرقمية تجعل المشاركة أكثر مباشرة ومرونة. لم يعد معقولاً أن يكون المواطن حاضراً فقط كل خمس سنوات ليلصق بطاقة في صندوق، ثم يختفي.
الأغلبية القائمة على المشاريع تحل محل التحالفات الظرفية. تخيل برلماناً لا يوجد فيه "معارضة" و"أغلبية" ثابتين، بل أغلبية تتشكل مع كل قانون، حسب القناعة وليس حسب الانتماء.
ما بدا خيالياً أصبح ممكناً تقنياً. ما كان طوباوياً أصبح ضرورياً.
الانتقادات متوقعة.
يُقال: بدون أحزاب، تسود الفوضى.
هذا نسيان أن النظام الحالي ينتج شكلاً آخر من الفوضى: فوضى العجز المنظم. فوضى لا تسمع فيها سوى أصوات القادة، ولا ترى فيها سوى وجوهاً متعاقبة على كراسي متطابقة، والسياسات لا تتغير.
ويُقال: خطر جماعات الضغط سيزداد.
وهنا أيضًا، يتم قلب الحقائق رأسًا على عقب. فالأحزاب اليوم ليست حصوناً ضد النفوذ، بل بوابات لتسلله. فاستهداف عدد قليل من القادة أسهل من إقناع مئات صانعي القرار المستقلين. عندما تكون السلطة موزعة على مئات المنتخبين المستقلين، فإن الإقناع يعود إلى مكانه الطبيعي: الحجة، وليس الضغط.
الحماية الحقيقية من الانحرافات ليست المركزية، بل توزيع السلطة. ليس الأمن في قبضة، بل في تعدد الأيادي.
في المغرب، تكتسب هذه الفكرة بعداً خاصاً. ليس لأن الأحزاب المغربية أسوأ من غيرها، بل لأن هناك ما هو أثمن: التماسك الوطني في زمن التحولات الكبرى.
تجاوز الأحزاب هنا لن يكون قطيعة مع التاريخ، بل تعميقاً للثوابت. سيسمح بمواءمة العمل العام مع الأمد الطويل للدولة — بعيداً عن منطق الولاية الانتخابية القصيرة. وسيعزز التماسك الوطني في بلد يعرف كيف يصنع الوحدة من التعدد، لكنه اليوم يرى التعدد يتحول إلى تشظٍ.
ليس المطلوب تدمير السياسة، بل تحريرها من شكل أصبح قفصاً.
لا يتعلق الأمر بالتدمير من أجل التدمير. يتعلق الأمر بإعادة البناء على أسس أكثر صحة.
في جوهر الأمر، السؤال بسيط، لكن إجابته تتطلب شجاعة نادرة: هل نريد الاستمرار في تنظيم السياسة حول هياكل تولد الانقسام والتبعية والارتباك؟ أم أننا مستعدون للثقة في الذكاء الجماعي للمواطنين، حتى لو كان ذلك يعني توديع اليقين المريح للانتماءات الحزبية؟
إلغاء الأحزاب السياسية ليس إجراءً تقنياً. وليس شعاراً ثورياً. إنه عمل صادق: أن نعترف بأن ما كان وسيلة للتحرير أصبح أداة للتحييد.
وربما يكون اليوم — قبل أن تغلق الأبواب تماماً — هو الفرصة الوحيدة التي لا تزال قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أو على الأقل، على البدء.






