سياسة واقتصاد

تقرير.. اضطرابات مضيق "هرمز" تهدد بإغراق السوق المغربي في موجة غلاء حادة

كفى بريس
​يواجه الاقتصاد المغربي اختباراً عسيراً أمام شبح أزمة طاقية خانقة تلوح في الأفق، حيث حذر تقرير تحليلي حديث صادر عن معهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية من أن أي اضطراب حاد في مضيق هرمز خلال عام 2026 سيؤدي حتماً إلى موجة غلاء غير مسبوقة في سوق المحروقات المحلية.

 وأوضح التقرير، الذي أعده الباحث يونس بنان، أن تداعيات هذا السيناريو لن تقتصر على محطات الوقود، بل ستتحول إلى كرة ثلج تمس الغذاء والنقل والقدرة الشرائية، وصولاً إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والميزان التجاري للمملكة، مما يعيد ملف "السيادة الطاقية" إلى واجهة النقاش العمومي بكل تعقيداته الهيكلية.

​وينطلق التقرير في قراءته من فرضية "الحساسية المفرطة" للمغرب تجاه الصدمات الخارجية، مفسراً ذلك بالتبعية الشبه كاملة للاستيراد وغياب مصفاة وطنية فاعلة بعد توقف "سامير".

 ويرى الباحث أن الخطر الوشيك يتجاوز مجرد ارتفاع أسعار النفط الخام ليشمل اختناق سلاسل الإمداد البحرية وارتفاع كلفة التأمين والشحن، وهو ما يجعل أثر الأزمة على السوق المغربية مباشراً وصاعقاً. 

وبحسب السيناريوهات الموضوعة، قد تقفز الأسعار عالمياً لتتراوح بين 100 و130 دولاراً للبرميل، وصولاً إلى عتبة 200 دولار في حال التعطل الدائم للملاحة، مما يدفع الاقتصاد الوطني نحو حالة من "الركود التضخمي" الذي يصعب احتواؤه بالآليات التقليدية.

​وفي تشريح دقيق لسلسلة التأثير، يرسم التقرير مساراً يبدأ من توترات الخليج وينتهي بمائدة المواطن المغربي؛ إذ إن أي زيادة في أسعار الغازوال والبنزين تترجم فوراً إلى ارتفاع في كلفة نقل البضائع والمنتجات الفلاحية والأسماك. هذا الترابط العضوي يجعل من المحروقات "مفتاح أزمة معيشية شاملة"، حيث لم تعد المسألة تتعلق بتكلفة ملء خزان السيارة فحسب، بل بالقدرة على تأمين المواد الغذائية الأساسية التي تستهلك جزءاً كبيراً من ميزانية الأسر المغربية، وهو ما يضع ضغطاً هائلاً على السلم المجتمعي في ظل استنفاد هوامش المناورة المالية لدى المواطنين.

​وبالعودة إلى المعطيات الميدانية، استند التقرير إلى استطلاع رأي وطني أجري سنة 2023 ليعكس حجم الهشاشة الاجتماعية الحالية؛ حيث أكد أزيد من 93% من المشاركين أن غلاء الوقود أثر فعلياً على قدرتهم على توفير الأساسيات كالغذاء والإيجار، بينما أقر نحو 48% منهم بغياب أي استراتيجية فعالة للتكيف مع هذه الموجات التضخمية. هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن الطبقة المتوسطة باتت "الخزان الأكثر عرضة للصدمة"، وهي التي تتحمل اليوم عبء التنقل والتعليم والسكن دون الاستفادة من أنظمة حماية اجتماعية مباشرة تخفف عنها وطأة التقلبات الجيوسياسية الدولية.

​وعلى المستوى الهيكلي، يفتح التقرير باب المساءلة حول بنية الأسعار في المغرب، متسائلاً عن مدى مشروعية ترك السوق المحلية رهينة لتقلبات البورصات العالمية دون "حواجز حماية" وطنية. كما يجدد التقرير التأكيد على أن استمرار إغلاق مصفاة "سامير" يمثل ثغرة في الأمن القومي الطاقي، حيث فقد المغرب بضياع قدراته التكريرية أداة استراتيجية للتخزين والمناورة وامتصاص الصدمات. ويشير البحث إلى أن غياب الشفافية في هوامش ربح الفاعلين واحتكار السوق يغذي الاحتقان الشعبي، ويعزز المطالب الداعية إلى العودة لتسقيف الأسعار أو على الأقل ضبط الأرباح في الفترات الاستثنائية.

​وفي مواجهة هذه التحديات، يسجل التقرير أن الإجراءات الحكومية الحالية، مثل دعم مهنيي النقل عبر منصة "مواكبة"، تظل محدودة الأثر ولا تلامس جوهر المعاناة اليومية للمواطن العادي، بل تثير تساؤلات حول شفافيتها ومدى انعكاسها الحقيقي على أسعار الاستهلاك النهائي. 

وتخلص الوثيقة إلى أن المخرج الوحيد يكمن في استراتيجية "سيادية" متكاملة تجمع بين الحلول الآنية، كالمراجعة الضريبية المؤقتة لامتصاص الزيادات، والحلول الاستراتيجية المتمثلة في الحسم في ملف التكرير الوطني، وتوسيع قدرات التخزين، وتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة والنقل الكهربائي لفك الارتباط التاريخي والمكلف بالوقود الأحفوري المستورد.