في بعض الصباحات، لا تحتاج إلى فكرة لتكتب، يكفيك مشهد.
من حين لآخر أخرج باكرا قبل أن تستيقظ المدينة تماما. مسار العودة من النادي أقطعه على مهل، بين أعمدة الإنارة التي لم تطفأ بعد، وصمت الشوارع الذي لا يقطعه إلا وقع خطواتي. الهواء بارد، والسماء ما تزال معلقة بين ليل لم ينته ونهار لم يبدأ.
وعند زاوية شبه ثابتة من الطريق، يتكرر المشهد نفسه. أطفال صغار، متفرقون في صمت، ينتظرون سيارات النقل المدرسي. لا ضجيج، لا حركة كثيرة، فقط وجوه نصف نائمة، وحقائب أكبر من أجسادهم بقليل. تتوقف الحافلة، يصعدون واحدا تلو الآخر، في هدوء يشبه الاستسلام أكثر مما يشبه بداية يوم.
أنظر إلى الساعة: السابعة، أو قبلها بقليل.
أتخيل فقط متى استيقظ هؤلاء. في أي لحظة أخرجوا من دفء النوم؟ وفي أي زمن يعيشون الآن؟ هل بدأ يومهم فعلا، أم أنهم ما زالوا عالقين في آخر الليل؟
يخطئ من يعتقد أن الزمن مسألة تقنية محضة، تقاس بالدقائق والثواني وتحسم بمرسوم. فالزمن، في جوهره، تجربة معيشة قبل أن يكون نظاما حسابيا. ولهذا، حين تغير الدولة الساعة، فهي لا تغير رقما فقط، بل تلامس علاقة خفية تربط الإنسان بإيقاع يومه، وبالشمس التي يستيقظ معها، وبالليل الذي يأوي إليه.
منذ أن اعتمد المغرب بشكل شبه دائم توقيت GMT+1 سنة 2018، لم يتوقف الجدل. وقد يبدو الأمر مجرد نقاش عابر حول ساعة إضافية، لكن استمرار هذا الجدل يكشف أن المسألة أعمق من رفض نفسي للتغيير. نحن أمام توتر صامت بين توقيت الدولة وزمن المجتمع.
ولعل أجمل ما عبر عن هذا التوتر لم يأت من تقرير رسمي ولا من دراسة أكاديمية، بل من سخرية بسيطة في إحدى حلقات الكوبل حين علم كبور بزيادة الساعة، سأل الشعيبية، في دهشة صادقة:
“واش اللي كان غادي يموت مع 11، غادي يموت مع 12؟”
قد تبدو العبارة ساخرة، لكنها في عمقها تعيد النقاش إلى بساطته الأولى: هل الزمن الذي نعيشه هو نفسه الزمن الذي نعده؟ وهل تغيير الرقم يكفي لتغيير الإحساس؟
الدولة، من جهتها، تتحدث بلغة النجاعة: تقليص الفارق مع الشركاء الاقتصاديين، تحسين مردودية الاقتصاد، عقلنة استهلاك الطاقة. وهي مبررات لا تخلو من وجاهة، بل تعكس منطقا حديثا في تدبير الزمن بوصفه موردا اقتصاديا.
لكن المجتمع لا يعيش الزمن بهذه اللغة. فالمغاربة لم يبنوا علاقتهم بالوقت على العقارب وحدها، بل على إشارات الطبيعة وتعابير الحياة اليومية: بعد الفجر، قبل المغرب، بعد العشاء، عند الظهر. وهذه ليست مجرد عادات لغوية، بل أثر لنمط عيش طويل، حيث كان الزمن يدرك بوصفه إيقاعا معيشا لا رقما مجردا.
وهنا تكمن المفارقة: الدولة توحد الزمن من الأعلى، بينما يواصل المجتمع مقاومته من الأسفل. لذلك ما زال الناس يتحدثون عن “الساعة القديمة” و”الساعة الجديدة”، كأن الزمن نفسه انقسم إلى نظامين: واحد رسمي، وآخر وجداني.
ومشهد الأطفال في الصباح الباكر ليس تفصيلا هامشيا، بل تجسيد حي لهذا التوتر. فحين تبدأ الحياة قبل شروق الشمس، يشعر الإنسان أن اليوم قد فرض عليه، لا أنه انبثق بشكل طبيعي. وقد تكون الدولة محقة في حساباتها، لكن من حق المجتمع أيضا أن يسأل عن كلفة هذا الاختلال.
وليس هذا مجرد إحساس. فالدراسات العلمية حول النوم لدى الأطفال والمراهقين تؤكد أن توقيت الاستيقاظ وبداية الدراسة يؤثران بشكل مباشر على الصحة والتركيز. وهنا يلتقي الإحساس الاجتماعي مع المعطى العلمي.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى ثنائية حادة. فالمغرب جزء من اقتصاد عالمي، وله ارتباطات تفرض أحيانا اختيارات من هذا النوع. ولا يمكن إنكار ما تقدمه الدولة من مبررات مرتبطة بالتقارب الزمني مع الشركاء الاقتصاديين أو بحسابات النجاعة. غير أن السياسات العمومية لا تقاس فقط بسلامة مبرراتها، بل بمدى قدرتها على الانسجام مع حياة الناس، وخاصة حين يتعلق الأمر بما هو يومي وحميمي مثل الزمن.
ومن هنا، يبدو لي أن الوقت قد حان لفتح نقاش صريح حول هذه الساعة، لا من باب الجدل الموسمي، بل من باب التقييم الهادئ بعد سنوات من التجربة. لأن ما تكشفه الحياة اليومية، كما تكشفه تلك المشاهد البسيطة في الصباح الباكر، هو أن هذا التوقيت لم يندمج فعلا في الإيقاع الاجتماعي، وأن كلفته على مستوى العيش اليومي، خاصة بالنسبة للأطفال والأسر، ليست أمرا يمكن التغاضي عنه.
فالمسألة، في تقديري، لم تعد مجرد اختيار تقني، بل أصبحت اختيارا مجتمعيا. وإذا كان من حق الدولة أن تسعى إلى النجاعة الاقتصادية، فمن حق المجتمع أيضا أن يطالب بزمن أقرب إلى طبيعته، وأكثر انسجاما مع إيقاعه.
لهذا، لا أرى أن النقاش ينبغي أن يبقى معلقا بين التبرير والاعتراض، بل أن يتجه نحو مراجعة فعلية لهذا الاختيار. مراجعة تأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات، ولكن تنطلق أساسا من سؤال بسيط: أي زمن نريد أن نعيش فيه؟
فالزمن، في النهاية، ليس مجرد قرار إداري، بل شكل من أشكال العيش المشترك.
امًا كبور وهو يرتشف أتاي بجانب الشعيبية فهو لازال يتساءل : إذا كانت الثامنة القديمة هي التاسعة الجديدة فما هو مصير الثامنة إلا ربع ?






