لست خبيرة في علم السياسة، ولا أدعي الاطلاع على كواليسها ببلادي، أرى ما يراه الجميع، غير أن لي منهجا في القراءة، وقد قادني هذا المنهج إلى التعامل مع العرض الذي قدمه عبد الوافي لفتيت وزير الداخلية أمام الملك محمد السادس أثناء المجلس الوزاري المنعقد في التاسع من أبريل الجاري إلى اعتباره مؤشرا على تحوّل في بنية القرار العمومي، لا مجرد برنامج تنموي. ذلك أن مسار إنتاجه لا يمر عبر القنوات الحكومية الكلاسيكية، ولا يستند إلى تعاقد انتخابي، بل ينطلق من البنية الترابية تحت إشراف إداري، ثم يُعاد تجميعه مركزيا للمصادقة وضبط الانسجام.
هذا المعطى كاف لتحديد طبيعة التحول، الحكومة لم تعد نقطة البداية في إنتاج السياسة العمومية، بل حلقة ضمن مسار صيغ خارجها.
ما يعنيه ذلك هو انتقال في مفهوم السيادة ذاته. لم تعد تُمارس فقط عبر اتخاذ القرار، بل عبر التحكم في شروط إنتاجه. حين يحدَّد مسار السياسة قبل دخولها المجال الحكومي، يصبح دور هذا الأخير محصورا في التنسيق والتنفيذ، لا في المبادرة والتأسيس.
بهذا المعنى، يتغير موقع الحكومة من فاعل مُؤسِّس إلى جهاز ضابط للاتساق. ويتحول الزمن السياسي بدوره، من زمن انتخابي قصير إلى أفق ممتد لا يتأثر بتبدل الأغلبيات. نحن عمليا أمام تعاقد عمومي يتجاوز منطق التداول الحكومي.
بالموازاة، يتبدل معيار الشرعية. إدخال منطق الشركات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد التتبع الرقمي، كلها أدوات تنقل مركز الثقل من شرعية التمثيل إلى شرعية الأداء. هذا التحول يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـالحكامة التقنية، حيث تتم إدارة السياسات وفق منطق النجاعة والقياس أكثر مما تُدار عبر التنافس الخطابي.
في الآن نفسه، يمكن قراءة هذا المسار كجزء من عملية أوسع لـنزع الطابع السياسي عن القرار، حيث تُنقل لحظة الاختيار من فضاء التنافس الحزبي إلى فضاء إداري/تقني، ثم يُعاد تقديمها كمعطى جاهز للتنفيذ.
هذا التحول لا يمكن فصله عن تراجع وظيفة الوساطة الحزبية. حين تفقد الأحزاب قدرتها على إنتاج النخب والاختيارات، وتتحول إلى فضاء لتدبير المواقع، ينشأ فراغ في مستوى إنتاج السياسة. هذا الفراغ لا يدوم؛ يُعاد امتصاصه داخل أجهزة الدولة.
ما يحدث اليوم يندرج ضمن هذا المنطق.
لكن هذا المسار يطرح إشكالا سياسيا واضحا: هل يمكن لنموذج يقوم على الحكامة التقنية ونزع الطابع السياسي عن القرار أن يُعيد، في الوقت نفسه، إنتاج سياسة حقيقية؟ أم أنه يكتفي بتعويضها بمنطق تدبيري عالي النجاعة؟
المفارقة أن الدولة لا تعلن القطيعة مع السياسة، بل تعيد تنظيمها ضمن إطار مُسبق التحديد. الفاعلون لا يُقصَون، لكنهم يتحركون داخل حدود مرسومة سلفا. بذلك يتغير معنى التنافس: لم يعد حول الخيارات، بل حول القدرة على التنفيذ.
انطلاقا من ذلك، لا تبدو الانتخابات المقبلة مجالا لصراع برامج، لأن البرنامج محدد، ولا لتنافس رؤى، لأن الاتجاه مضبوط، بل اختبارا للكفاءة داخل نموذج جاهز.
أرجّح والله أعلم أننا لا نواجه مجرد إعادة توزيع للأدوار، بل إعادة ضبط لقواعد إنتاج القرار. إذ تنتقل السياسة من فضاء يُنتج اختياراته، إلى إطار تُحدَّد معالمه خارجَه ثم يُدبَّر من داخله. وفي هذا الانتقال يتشكل مستقبل العلاقة بين الدولة والسياسة..
" المهم اللي موجد شي خطابات عامرة "فشخرة و تأرخة " يبدلها..حظ سعيد أيها المنفذون"..الله ولي التوفيق..






