يبرز النموذج السنغافوري كخيار استراتيجي مثالي بالنسبة لبلد مثل المغرب. هذا النموذج، يركز على تطوير الاقتصاد و حوكمة الإدارة لتحقيق الرفاهية، و يبدأ أساسًا ببناء الفرد العقلاني الحديث: مواطن يعتمد على العقل و الكفاءة، بعيدًا عن الخرافات و الدُّوغما والوصايات التقليدية.
نجحت سنغافورة، منذ استقلالها سنة 1965، في تحويل شعبها إلى قوة إنتاجية عالمية من خلال التركيز على التعليم المتقدم، و الحوكمة الفعالة، و الحريات الفردية، مما أدى إلى نمو اقتصادي مستدام و سريع رغم عدم توفر البلاد على الموارد الطبيعية، ما بَوّأَ البلاد مكانة رفيعة بين ما يُسمى "النمور الآسيوية".
هذا النجاح يأتي على حساب الديمقراطية الشكلية، التي تفقد معناها في المجتمعات التي لم يتحرر فيها الفرد بعد، تلك التي يغلب فيها "الإنسان الرث" المثقل بالتخلف و العواطف السلبية. هذا الوضع يجعل الديمقراطية سبيلًا إلى حكم الغوغاء.
في المغرب تحديدًا، إقامة ديمقراطية كاملة اليوم ستفتح الباب للإسلاميين و اليسار المتطرفَيْن و الغوغائيّين. رأينا ذلك مؤخرًا، عندما قام القيادي في حزب العدالة و التنمية المقريء الإدريسي بتكفير نشرة الأرصاد الجوية لأنها لا تنسب الأنواء إلى الله و لا تربط التوقعات بمشيئته الإلهية. أما فدرالية اليسار، فلمحت، من خلال تصريحات زعيمتها نبيلة منيب، إلى أن زلزال الحوز افتعله قوى معادية، مما يكشف عن عقليات مؤامراتية و شعبوية ترفض المنطق العلمي.
لذلك، معركة الإنسان المغربي ليست على هي الحُكْم أو الانتخابات، بل هي التعليم التقدمي، و الحريات الفردية، و الحوكمة الرشيدة و مكافحة الفساد، و الرفاه الاقتصادي. أما المهمة الأساسية، فيجب أن تندلع في مجال الثقافة بمعناها الواسع، عبر تحرير عقل الإنسان من كل وصاية دينية أو دوغمائية، للسماح له ببناء رؤية حديثة تحفز الإبداع و العمل.
هنا يأتي دور نظرية تالكوت بارسونز الذي قسم النسق الاجتماعي إلى أربع باحات مترابطة، تبدأ بالثقافة، بمعناها الواسع، كباحة غنية بالطاقة و التحفيز، حيث تتشكل رؤية العالم و المستقبل، ثم تنتقل إلى الباحة الاجتماعية للتنظيم، تليها باحة الحكم للتوجيه، و تنتهي بباحة الاقتصاد الغنية بالحركة والقوة. إذ لا يمكن تحقيق اي تقدم عقلاني داخل النظام الاجتماعي إذا لم يبدأ من باحة الثقافة.
فالثقافة، التي تعقّم الفرد ضد غوغائية المقريء الإدريسي و نبيلة منيب، هي المحرك الأول. فبدون عقلنتها و تحريرها، يظل الاقتصاد راكدًا، و النموذج السنغافوري يطبق هذا التصور بدقة: ثقافة عقلانية تحفز اقتصادًا قويًا يخدم الإنسان، بعدما حوّلت هذا الأخير إلى المورد الاستراتيجي الأول. المغرب بحاجة إلى نفس النهج.






