تحليل

الحكومة بين الزمن الدستوري والزمن السياسي

كمال الهشومي ( أستاذ جامعي)

تندرج مبادرة الحكومة إلى عرض حصيلتها أمام البرلمان ضمن الصلاحيات التي يخولها الدستور، ولاسيما بمقتضى الفصل 101 الذي يتيح لرئيس الحكومة تقديم حصيلة عمل الجهاز التنفيذي، سواء بمبادرة منه أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب. غير أن النقاش، في تقديرنا، لا ينصرف إلى أصل المشروعية الدستورية لهذه المبادرة، بقدر ما يتركز حول سياق تفعيلها وتوقيتها وما يترتب عنهما من دلالات سياسية ودستورية.

ذلك أن تقديم الحصيلة في مرحلة تسبق انتهاء الولاية الحكومية فعليا، وعلى مسافة زمنية معتبرة من الاستحقاقات الانتخابية، يفتح مجالا واسعا للتأويل. فهو يثير تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة هذا الاختيار؛ هل يتعلق الأمر بتقدير مفاده استنفاد الحكومة لجزء كبير من وظائفها وبرامجها بما يبرر هذا العرض المبكر؟ أم أنه يعكس قناعة ضمنية ببلوغ مستوى متقدم من تنفيذ الالتزامات التي تأسست عليها الثقة البرلمانية؟ أم أن القراءة الأشد نقدا قد تذهب إلى اعتباره مؤشرا على صعوبات موضوعية في مواصلة تدبير الملفات العمومية بنفس الوتيرة إلى نهاية الولاية؟

مهما تكن الإجابة، فإن هذه الإشكالات تعيد النقاش إلى مبدأ دستوري مؤسس، يتمثل في أن الولاية الحكومية ليست زمناً سياسياً مرناً يخضع لمنطق التدرج أو التخفيف، بل هي التزام دستوري كامل يمتد إلى آخر لحظة من عمرها القانوني. فالثقة البرلمانية التي تُمنح للحكومة لا تُفهم بوصفها تفويضاً مؤقتاً قابلًا للتناقص، وإنما باعتبارها أساساً لممارسة مستمرة ومتواصلة للاختصاصات التنفيذية، وفق منطق الاستمرارية الذي يحكم سير المؤسسات.

وعلى هذا الأساس، لا يمكن قراءة تقديم الحصيلة - مهما كانت خلفياته - كإعلان ضمني عن نهاية سياسية مبكرة، أو كمدخل لإعادة ترتيب الأولويات على حساب الالتزام الدستوري. ذلك أن الدولة الدستورية، في بنيتها العميقة، تقوم على مبدأ استمرارية المرفق العام واستمرارية المؤسسات، ولا تستقيم مع منطق العد التنازلي أو الانسحاب التدريجي. فالحكومة، بحكم موقعها الدستوري، ليست فاعلا انتخابيا فحسب، بل مؤسسة قائمة الذات، تضطلع بوظائف حيوية تمس توازن المجتمع واستقراره، وهو ما يفرض عليها الاستمرار في أداء مهامها بنفس درجة الفعالية إلى غاية نهاية ولايتها.

ومن ثم، فإن الخلط بين الزمن السياسي المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، والزمن الدستوري المؤطر لعمل المؤسسات، يشكل أحد أبرز مظاهر الارتباك في الممارسة الديمقراطية. فالدستور لا يؤسس لمنطق "نهاية الولاية" بالمعنى السياسي الضيق، بل يؤسس لاستمرارية الدولة عبر مؤسساتها، حيث تظل الحكومة متمتعة بكامل صلاحياتها إلى حين تعيين حكومة جديدة وفق المساطر الدستورية.

وعليه، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في توقيت عرض الحصيلة في حد ذاته، بل في كيفية تدبير ما تبقى من الزمن الدستوري، بما يضمن استمرارية السياسات العمومية، واستكمال الأوراش الجارية، ومعالجة القضايا الآنية بنفس منسوب الالتزام والمسؤولية، دون تأثر باعتبارات ظرفية.

إن القراءة الدستورية لهذه اللحظة تفضي إلى نتيجة واضحة؛ الولاية الحكومية ليست مرحلة قابلة للاختزال أو التعليق، بل هي التزام مؤسسي متكامل، يفرض على الحكومة الاستمرار في أداء وظائفها إلى آخر لحظة. ومن ثم، فإن أي توجه نحو تخفيف الإيقاع أو إعادة توجيه الجهد نحو اعتبارات انتخابية، على حساب تدبير الشأن العام، لا يمكن فهمه إلا باعتباره خروجا عن منطق الاستمرارية الذي يشكل أحد أعمدة الدولة الدستورية.

فالدستور، في نهاية المطاف، لا يقر بمنطق الفراغ، ولا يعترف بالانسحاب المرحلي، بل يؤسس لاستمرارية الفعل العمومي باعتبارها شرطا في استقرار الدولة. ومن هذا المنظور، فإن المسؤولية الدستورية تقتضي أن تظل الحكومة، إلى آخر يوم من ولايتها، في موقع الفعل الكامل، لا في وضعية التراجع أو الانتظار، لأن الدولة، في جوهرها، لا تحتمل التوقف.