ليس كل من يكتب ينتمي إلى الأدب، كما ليس كل من يبتسم بريئاً من القصد. في المدينة التي تتكدّس فيها الكلمات كما يتكدّس الغبار على رفوف المكتبات، كانت هناك عصابة لا تُرى… لكنها تكتب.
لم تكن عصابة بالمعنى الذي يفهمه رجال الشرطة، بل كانت أكثر تهذيباً وخطورة: جماعة من الأسماء، تتبادل التحايا في العلن، وتتناسل في الخفاء كظلال تتغذى على بعضها البعض. كل واحد منهم يحمل لقب “رائد”، كأن الريادة صك يُمنح في جلسة مغلقة، لا تجربة تُخاض في عزلة اللغة.
في تلك المدينة، كان الأدب محكمة بلا قاضٍ، لكن بألف جلاد.
كانوا يجلسون في المقاهي نفسها، يكتبون العبارات نفسها، ويعيدون تدوير الأسماء نفسها، حتى صار النص مثل مرآة مكسورة: كل قطعة تعكس وجهاً واحداً، لكن لا أحد يرى الكسر.
الحقد هناك لم يكن صراخاً، بل نظاماً دقيقاً.
يُدار بصمت، كساعة سويسرية.
إذا كتبتَ شيئاً مختلفاً، سيقولون: “لا ينتمي”.
إذا التزمت، سيقولون: “مقلّد”.
وإذا صمتّ… سيكتبون عنك أنك انتهيت.
كانوا يخافون من الجملة الحرة، لأنها لا تستأذن.
ومن الكاتب الذي لا ينحني، لأنه لا يُستعمل.
وفي دهاليز تلك العصابة، كانت الوساطة الأدبية تُدار كما تُدار صفقات سرية: قارورة خمر تُقدَّم في أمسية فتتحول في الغد إلى “نص مؤسس”، مجاملة عابرة تُعاد صياغتها لتصير قصيدة عن الصدق، ونفاق مهذّب يُلمَّع حتى يُقدَّم باعتباره حساسية شعرية رفيعة. أما الضيوف، فكان استقبالهم طقساً دبلوماسياً يُكتب عنه كأنه فتح ثقافي، تُمنح من خلاله تذاكر العبور إلى “العالمية”، لا عبر النص، بل عبر الممرات الخلفية للعلاقات.
في إحدى الليالي، حاول كاتب مجهول أن يكتب نصاً لا يشبههم. جلس طويلاً أمام الصفحة البيضاء، وكأنه يفاوضها. كتب جملة، ثم محاها، ثم كتب أخرى. كان يشعر أن هناك عيوناً تراقبه، ليس من خلف الباب، بل من داخل اللغة نفسها.
حين انتهى، لم يجرؤ على نشر النص.
ففي تلك المدينة، لا يُعدم الكاتب لأنه كتب،
بل لأنه لم ينضم.
في اليوم التالي، قرأ في إحدى الصفحات أن “الريادة قد حُسمت منذ زمن”، وأن “كل جديد مجرد صدى متأخر”. ضحك… ثم أدرك أن الضحك نفسه قد يُفسَّر.
هناك، لم يكن أحد يقتل أحداً.
لكن الجميع كانوا يتقنون طريقة أبطأ:
الاختفاء التدريجي.
العصابة لم تكن تحتاج إلى سلاح.
كان يكفيها أن تُعرّف الأدب كما تشاء،
وأن تُقصي كل من لا يدخل التعريف.
وهكذا، صار الحقد مؤسسة،
وصارت الرداءة قانوناً غير مكتوب،
وصار الادعاء ريادةً… لا ينازعها إلا الصمت.
وفي مكان ما، خارج هذه الدائرة،
كان نصٌّ وحيد يُكتب…
بلا شهود، بلا تصفيق،
لكنه—للمفارقة—كان الأدب الوحيد الذي لم يخن نفسه.






