الواقع أن الخطاب السياسي لم يعد كافيًا بذاته. فالشباب اليوم لا يقيسون النوايا، بل النتائج. صحيح أن الأداء الحكومي حمل مؤشرات اجتماعية لافتة، خاصة في ما يتعلق بدعم القدرة الشرائية، وتحسين الأجور، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، إلا أن فجوة الإدراك ما تزال قائمة: ما تحقق يُنظر إليه كخطوة، لا كتحول. وهذا الفارق الدقيق هو ما يصنع المسافة بين الرضا والتحفظ.
في العمق، تبدو الإشكالية مركبة. فمن جهة، هناك مجهودات ملموسة لإعادة توزيع ثمار النمو، عبر إصلاحات ضريبية أكثر إنصافًا، وتوجيه الدعم للفئات الهشة، وإطلاق برامج اجتماعية غير مسبوقة تستهدف الأسر الفقيرة بشكل مباشر. ومن جهة أخرى، تبرز تحديات في الاستهداف والنجاعة، حيث قد تتحول بعض آليات الدعم إلى عنصر مثبط بدل أن تكون محفزًا، خاصة حين تغيب الدقة في تحديد المستفيدين أو في ربط الدعم بالاندماج الاقتصادي.
الأهم من ذلك، أن الشباب لا ينتظر فقط سياسات عمومية، بل ينتظر سردية. سردية تُقنعه بأن له مكانًا في هذا المسار، وأنه ليس مجرد متلقٍ للقرارات بل شريك في صناعتها. من هنا، تأتي أهمية المبادرات التي تراهن على إشراك الشباب في التفكير الجماعي، وصياغة البرامج، بل وحتى إعادة تعريف الأولويات السياسية. فإشراك 15 ألف شاب في بلورة تصورات جديدة ليس رقمًا فقط، بل إشارة إلى محاولة إعادة بناء الثقة من الداخل.
لكن هل يكفي ذلك؟ الجواب ببساطة: لا. لأن أزمة الثقة أعمق من أن تُحل بمبادرات ظرفية. إنها أزمة تصور لدور السياسة نفسها. الشباب اليوم يقارن بين وعود السياسة وإيقاع الواقع، بين الخطاب الرسمي وتجربته اليومية مع الشغل، والتعليم، والعدالة المجالية. ولذلك، فإن أي محاولة لاستعادة الثقة تمر أولًا عبر وضوح أكبر، وجرأة في الاعتراف بالنقائص، وقدرة على تقديم أفق ملموس.في المقابل، لا يمكن إنكار أن المغرب أبان عن قدرة مهمة على الصمود في وجه الأزمات المتلاحقة، من تقلبات مناخية إلى اضطرابات دولية. غير أن هذا الصمود، مهما كان مهمًا، لا يكفي لبناء الأمل. فالأمل يحتاج إلى دينامية اقتصادية تخلق فرصًا حقيقية، وإلى سياسات عمومية تُترجم بسرعة إلى أثر ملموس في حياة الناس.
الرهان اليوم ليس فقط في تقليص البطالة أو تحسين المؤشرات، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشباب. علاقة قوامها الثقة، والمسؤولية المشتركة، والإحساس بأن المستقبل لا يُنتظر… بل يُصنع.
في النهاية، يبدو أن الرسالة الأوضح من هذا النقاش هي أن الشباب لا يرفض السياسة، بل يرفض النسخة التقليدية منها. يريد سياسة أقرب، أصدق، وأكثر قدرة على الفعل. وتلك، ربما، هي المعركة الحقيقية القادمة.






