فن وإعلام

عن "البربر والمخزن": حينما تسقط الترجمة في فخ الأنسنة الأيديولوجية

عثمان أشقرا ( باحث وكاتب)

بمناسبة فعاليات المعرض الدولي للكتاب والنشر أقام أحد المترجمين الدنيا ولم يقعدها، مبشراً بـفتحٍ لغوي جديد وهو ينقل إلى العربية كتاب روبير مونتاني، الذي يُعد أحد أبرز كلاسيكيات السوسيولوجيا الاستعمارية: Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc. غير أن هذا الصخب الذي صاحب صدور العمل سرعان ما يصطدم بجدار المنهج، حين نكتشف أن المترجم سقط في خطيئة مفاهيمية كبرى بدأت من الغلاف، لتمس جوهر الأطروحة السوسيولوجية التي بُني عليها الكتاب.

 لقد اختار المترجم، مدفوعاً بحساسية سياسية أو رغبة في ملاءمة العصر، أن يستبدل مصطلح البربر (Les Berbères) بلفظ الأمازيغ. ومع أن لفظ الأمازيغ هو اللفظ المتداول اليوم في الفضاءين الثقافي والدستوري باعتباره التسمية الذاتية للمكون الأصيل في المجتمع، إلا أن إقحامه في عنوان هذا الكتاب تحديداً يعد سقطة منهجية. فالمسألة هنا ليست انتصاراً لكرامة لغوية أو تصحيحاً لهوية، بقدر ما هي التزام بحدود المفهوم كما وضعه مؤلفه إلا أن استخدامه في ترجمة نص كُتب عام 1930 يعد فذلكة لغوية تفتقر إلى الأمانة التاريخية.

إن روبير مونتاني لم يستعمل لفظ الأمازيغ (Les Amazighs)، ولو أراد لفعل. لقد اشتغل بمفهوم البربر كفئة سوسيولوجية في مختبر الاستشراق الفرنسي، وهي كلمة تحمل في طياتها كل الحمولة الكولونيالية، والتقابلات السياسية بين "بلاد السيبة" و"بلاد المخزن". إن تغيير المصطلح في العنوان ليس مجرد تحديث لغوي، بل هو تزوير للوثيقة التاريخية؛ فالمترجم هنا يحاول أنسنة نص إثنوغرافي كولونيالي وإلباسه لبوساً هوياتياً حديثاً لا ينتمي إليه.

إن رصد هذا الخطأ منذ البداية ليس من باب الصرامة الشكلية وإنما لأن الترجمة فعل فيلولوجي بالأساس. حين يغيب مصطلح البربر عن العنوان، يغيب معه السياق الذي ولدت فيه نظرية مونتاني حول الدورة السياسية. مونتاني كان يدرس تحول "البربري" من حالة "الديمقراطية القبلية" إلى "الاستبداد القائدي" تحت مظلة المخزن.

إن استخدام الأمازيغ في هذا السياق يؤدي إلى مفارقة تاريخية؛ حيث يُقحم المترجم صراعات ومفاهيم القرن الحادي والعشرين في صراعات القبيلة والمخزن في القرن التاسع عشر. وبدلاً من أن يقدم لنا المترجم نص مونتاني كما هو، بفظاظته العلمية وسياقه الزمني، قدم لنا نصاً مهذباً لغوياً، لكنه مشوه معرفياً.

إن القيمة الكبرى لكتاب مونتاني تكمن في كونه مرآة لمرحلة فكرية معينة. والجرأة في الترجمة لا تكون بتغيير المصطلحات لترضي الذوق العام أو الحراك الثقافي الراهن، بل في نقل المفهوم كما صاغه صاحبه، مع ترك الهوامش للتوضيح.

لقد أخطأ المترجم البوصلة منذ الحرف الأول؛ فترجمة العنوان بـالأمازيغ والمخزن هي محاولة لليّ ذراع التاريخ. والحقيقة التي يجب أن تُقال هي أن الكتاب يبقى عن البربر - بالمفهوم السوسيولوجي الذي قصده مونتاني- وإلا فإننا لا نقرأ مونتاني، بل نقرأ أوهام المترجم عن مونتاني.