الرواية لا تكتب موت الأم أو غيابها بوصفه نهاية، بل تكتب ما يتركه هذا الغياب من ارتجاج في العالم، وكيف يمكن للكتابة أن تصير بيتًا أخيرًا للأثر حين يستحيل استرداد الأصل.
تشكل رواية "حساء بمذاق الورد"(2024) لسعيد منتسب نصًا سرديًا كثيفًا ينهض على تداخل الحداد بالمتخيل، والذاكرة بالرؤيا، والحميمي بالرمزي، بحيث لا تعود الكتابة مجرد وسيلة لتمثيل حدث الفقد، بل تصبح ممارسةً جمالية لمقاومته وتأجيل حسمه الوجودي. فمنذ العتبات الأولى للرواية يضع النص قارئه داخل أفق تأويلي مخصوص، يتحدد من خلال الإهداء الموجَّه إلى الأم في صيغة رمزية لافتة:"إلى أمي تودة.. السقف المضاء بالنجوم"، وهي صيغة تمنح الأم وضعًا دلاليًا يتجاوز حضورها المرجعي المباشر لتغدو بنيةً حامية وعلامة عليا للدفء والعلو والاهتداء. وتتعزز هذه الوجهة عبر التصديرات التي تستدعي معجمي العودة، والباب، والروح، والظل، بما يوحي منذ البداية أن الرواية تنبني على منطق العبور بين عوالم وحدود، لا على منطق الحكاية الواقعية المستقرة.
على هذا الأساس، لا تُقرأ الرواية بوصفها نصًا يرصد واقعة موت الأم أو غيابها فحسب، بل بوصفها كتابةً تسائل أثر هذا الغياب في بنية الإدراك واللغة والفضاء والزمن. إن العنوان الداخلي للفصل الأول، "لن أتركها تذهب! "، يكثف هذا المنحى في أوضح صورة، لأنه لا يعلن فقط حالة وجدانية مشحونة، بل يؤسس لاقتصاد رمزي كامل قوامه رفض التسليم بالانفصال النهائي. إن الجملة، في بعدها السردي العميق، لا تعبّر عن رغبة فردية في التشبث، وإنما تكشف عن توتر أنطولوجي بين الذهاب بوصفه قدرًا، والكتابة بوصفها محاولة لاستبقاء الأثر وممانعة المحو. هكذا يغدو السرد ذاته امتدادًا لهذا الاعتراض الأول، أو صيغةً تخييلية لإرجاء الفقد داخل اللغة.
ومن هذه الزاوية، تبرز الرواية بوصفها نصًا ينتمي إلى حساسية سردية حديثة تُعلي من شأن الخبرة الداخلية على حساب انتظام الحبكة التقليدية. فالمتن لا يتقدم وفق خط كرونولوجي صافٍ، وإنما يتحرك عبر مشاهد تتداخل فيها المطاردة والاسترجاع، والرؤيا والذكرى، والمادي والكوابيسي، بحيث يتراجع سؤال “ما الذي حدث؟” لصالح سؤال أشد تعقيدًا: كيف يُعاد تمثيل ما حدث داخل ذات مجروحة لا تثق في يقين العالم ولا في استقرار دلالاته؟ في الصفحات الأولى، مثلًا، يحضر الباب العملاق، والحراس، والكلاب، والركض، والمطر، وسقوط الجسد في مشهد يتسم بكثافة حسية وانفعالية، غير أن هذا المشهد لا يستقر في حدود الواقعي، بل ينفتح سريعًا على تدفقات داخلية وصور مقلقة، فيتحول الباب من عنصر مكاني إلى عتبة رمزية ونفسية، وتتحول المطاردة من واقعة خارجية إلى تمثيل لحالة حصار داخلي. بهذا المعنى، لا تروي الرواية الحدث، بل تروي إدراك الحدث وهو يتشظى داخل الذات.
وتزداد هذه البنية التمثيلية تعقيدًا حين ننظر إلى العناوين الداخلية للرواية. فهي لا تؤدي وظيفة تنظيمية فحسب، بل تنهض بوصفها علامات تأويلية تسبق الفصول وتمنحها أفقها الرمزي: "على السقف طائر جارح"، "أكوام صوف في غربال"، "ترقص وتنتظر فرحًا أنثره عليها"، "غيمة تولج أحراشها في الزقاق"، ثم "البوابة الأولى: جلد الملائكة ووبر الشياطين". إن هذه الصيغ لا تُحيل إلى معطيات حكائية واضحة بقدر ما تؤسس مناخًا دلاليًا قوامه الالتباس، والتوتر، والازدواج، وتآكل الحدود بين الحسي والمجازي. وهي بهذا المعنى تسهم في بناء رواية لا تقدّم عالمها في صورة مرآوية مباشرة، بل عبر جهاز تصويري يكثف الخوف والحداد والرغبة في الخلاص ضمن صور متحركة ومراوغة.
ويكشف هذا الخيار الجمالي عن مركزية ما يمكن تسميته سيمياء التذويت في الرواية. فالأشياء، والأمكنة، والألوان، والروائح، لا تظهر بصفتها عناصر خارجية محايدة، بل كما لو أنها تمر جميعًا عبر حساسية السارد الجريحة، فتفقد شفافيتها المرجعية وتكتسب شحنة وجدانية خاصة. الأم، في المقام الأول، هي العلامة المركزية التي يعاد عبرها إنتاج العالم. إنها لا تُستعاد بوصفها شخصية من الماضي فحسب، بل بوصفها الأصل العاطفي الذي كان يمنح الموجودات معناها وانتظامها. لذلك، حين تتعرض للغياب، لا ينهار رابط شخصي فقط، بل يختل نظام الإدراك نفسه، وتغدو الكتابة محاولة لإعادة صوغ العالم من موقع التصدع. الأم، بهذا الاعتبار، ليست موضوعًا للسرد، بل شرطًا داخليًا لحدوثه.
في السياق نفسه، تتخذ الرواية من علامات الطعام والرائحة واللون مادتها التعبيرية الأساسية. والعنوان الرئيس "حساء بمذاق الورد" مثال بالغ الدلالة على ذلك. فالحساء يحيل إلى اليومي والحميمي والمنزلي والجسدي، بينما يحيل الورد إلى الرهافة والذكرى والجمال والحداد في آن. إن الجمع بين العلامتين لا ينتج صورة شاعرية فقط، بل يشي بنمط مخصوص من التشكيل الدلالي تتحول فيه التفاصيل اليومية إلى حوامل للذاكرة. فالمذاق هنا ليس إحساسًا حسيًا خالصًا، بل أثرًا عاطفيًا؛ والطعام ليس غذاءً فحسب، بل شكلًا من أشكال الحضور المؤجل. بهذه الكيفية، ينجح النص في جعل الحميمي مجالًا لتمثل الغياب، ويحوّل المادة اليومية إلى بنية رمزية مفتوحة.
كما يحتل المكان في الرواية وظيفةً مماثلة. فالسقف، والغرفة، والباب، والحديقة، والزقاق، والغابة، والحقول، لا تُقدَّم كفضاءات جاهزة، بل كامتدادات مباشرة لحالة الذات. السقف، مثلًا، يتكرر بوصفه موضعًا للرؤية والانكشاف والتهديد، ولذلك يقترن بالطائر الجارح؛ والباب يتخذ معنى المنع والعبور والاختبار؛ أما الغابة والزقاق والمستنقع فتمثل فضاءات للتيه والتورط والانحباس. وعلى الجهة المقابلة، تظهر الحقول والينابيع والورود بوصفها بقايا عالم أول يظل مشعًا في الذاكرة، مهما كان بعيدًا أو متعذر الاسترداد. وبهذا المعنى، فإن جغرافية الرواية لا تُبنى على الخارج، بل على أثر الخارج في الداخل، أي على نحوٍ يجعل المكان شكلًا من أشكال النفس المتموضعة في العالم.
وإذا كان هذا النص يستمد الكثير من قوته من كثافته الرمزية، فإن واحدة من أبرز خصائصه تكمن في زعزعة الثنائيات المستقرة التي اعتادها الوعي التمثيلي. فالحضور والغياب، مثلًا، لا يظهران بوصفهما حدين متقابلين ومغلقين، لأن الأم غائبة في مستوى، وحاضرة بقوة في مستويات أخرى: في النداء، وفي الحقول، وفي الرائحة، وفي الورد، وفي الأثر الوجداني الذي لا يكف عن إعادة تشكيل السرد. إن الغياب لا يمحو الحضور، بل يعيد إنتاجه على هيئة أثر. ومن هنا تغدو الأم، لا حضورًا كاملًا ولا غيابًا تامًا، بل كيانًا أثريًا يظل يفرض نفسه على العالم الروائي كله. وهذا ما يجعل الرواية تميل إلى تفكيك الوهم الذي يقيم عليه التفكير الثنائي استقراره، وتكشف أن ما يغيب لا يغادر النص إلا ليعود إليه من طريق آخر.
والأمر نفسه ينسحب على ثنائية الحياة والموت. فالموتى في الرواية لا يظلون ساكنين داخل منطقتهم الخاصة، كما أن الأحياء لا يحتفظون بيقين الكينونة المطمئنة. الجموع المعلقة، الوجوه الكابية، الأجساد الزاحفة، الكائنات الملتبسة، كلها تسهم في إنتاج عالم يتآكل فيه الحدّ الفاصل بين الحياة بوصفها حضورًا، والموت بوصفه نهاية. الموت هنا ليس انقطاعًا نهائيًا، بل حالة تسرب داخل الموجودات، والحياة ليست يقينًا مكتملاً، بل مقاومة مؤقتة أو رغبة في تأجيل السقوط. لذلك فإن الرواية لا تنبني على يقين ميتافيزيقي، بل على هشاشة وجودية تقيم في المنطقة الفاصلة بين الامتلاء والخراب.
وتبلغ هذه الحركة التفكيكية ذروتها في مواضع يمتزج فيها الطهر بالعطب، والعلوي بالسفلي، كما في عنوان "جلد الملائكة ووبر الشياطين". إن هذا التركيب نفسه ينسف التراتبات الرمزية الجاهزة، لأن الملائكي لا يظهر في صورة الجوهر النقي، بل في صورة مادية قابلة للمس، كما أن الشيطاني لا يأتي بوصفه الآخر المطلق للطهر، بل في صورة قريبة ومخالطة. هكذا يكشف النص أن العالم لا ينتظم وفق صفاء ثنائي بسيط، وإنما وفق شبكة من التداخلات والمناطق البينية، حيث يفقد المعنى استقراره ليغدو قابلاً للمراجعة والتحول.
من ناحية أخرى، تؤدي الأحلام والرؤى والكوابيس في الرواية وظيفة معرفية وجمالية في آن واحد. إنها لا تأتي بوصفها انقطاعات عن الواقع، بل بوصفها أداةً لتوسيعه وكشف طبقاته المعتمة. المرأة التي تتحول، الرجال ذوو الملامح الرمادية، الحشود على الحواف، الطيور الجارحة، البوابات، الحقول الملتبسة، أكوام الصوف، والغربال؛ كلها صور تؤسس عالمًا لا يُختزل في المرجعي المباشر، بل يُعاد بناؤه وفق منطق رؤيوي يجعل المتخيل أكثر قدرة على حمل المأساة من الوصف الواقعي الخالص. ومن ثم، فإن الغرابة في الرواية ليست انزياحًا مجانيًا، بل ضرورة تعبيرية تفرضها طبيعة التجربة نفسها.
ولعل أحد أهم وجوه ثراء الرواية يكمن في كونها لا تمنح قارئها معنىً نهائيًا، بل تدعوه إلى مشاركتها إنتاج المعنى. فالنص لا يتجه إلى التفسير، بل إلى استضافة التأويل. يمكن للقارئ أن يدخل إليه من باب الأمومة، أو الحداد، أو الطفولة، أو الجسد، أو الرؤيا، أو سؤال العبور، وفي كل مرة سيجد أن الرواية تستجيب لهذا الأفق دون أن تنغلق فيه. وهذه الحيوية التأويلية مردّها إلى أن المعنى في النص لا يُعطى دفعةً واحدة، بل يتشكل عبر التفاعل بين اللغة والصورة والذاكرة ومخزون القارئ نفسه. إن الرواية، بهذا المعنى، لا تقدم خطابًا، بل تخلق حدثًا من الفهم.
ويزداد هذا البعد رسوخًا إذا انتبهنا إلى أن الزمن في الرواية لا يُدار بوصفه تعاقبًا آليًا، بل بوصفه مادة للحداد والتذكر. فالماضي لا يعود كماضٍ منقضٍ، بل كقوة فاعلة داخل الحاضر، والذكريات لا تظهر كمواد محفوظة، بل كعناصر تعيد كتابة ما يحدث الآن. لذلك تتخذ العودة في النص شكلًا مضاعفًا: هي عودة إلى الأم، وعودة إلى البيت، وعودة إلى الحقول والروائح الأولى، لكنها أيضًا عودة إلى الجرح نفسه. وهكذا لا تغدو الذاكرة في الرواية مستودعًا للصور، بل جهازًا سرديًا يرفض الإغلاق، ويجعل الاسترجاع فعلًا من أفعال المقاومة الجمالية.
على مستوى اللغة، ينهض النص على جمل مشبعة بالإيقاع والصور والانزياح، لكنها لا تفقد تماسّها مع مادة التجربة. فاللغة هنا لا تُستعمل لتغليف الحدث، بل لتوليده من جديد. إنها لغة ترى وتشمّ وتلمس وتخاف وتستعيد، ولذلك لا تبدو وصفيةً بقدر ما تبدو مشاركةً في صنع المناخ النفسي للرواية. وهذا ما يجنّب النص الوقوع في الرثاء المباشر أو البكائية الإنشائية، ويمنحه بدل ذلك قدرة على تحويل الحزن إلى بناء جمالي متماسك، تتفاعل فيه الحسية مع الرمزية، والحميمية مع الرؤيوية، من غير أن يطغى أحد المستويين على الآخر.
وإذا كان لا بد من استخلاص دلالة شاملة لهذا العمل، أمكن القول إن "حساء بمذاق الورد" رواية تنجح في تحويل الفقد من موضوع حكائي إلى بنية إدراكية ولغوية شاملة. إنها لا تكتب موت الأم أو غيابها بوصفه نهاية، بل تكتب ما يتركه هذا الغياب من ارتجاج في العالم، وكيف يمكن للكتابة أن تصير بيتًا أخيرًا للأثر حين يستحيل استرداد الأصل. ومن هنا تكتسب الرواية قيمتها الفنية العميقة: لا لأنها تقول الألم فقط، بل لأنها تمنحه شكلًا جماليًا قادرًا على أن يستبقيه في الذاكرة دون أن يطفئ التباسه أو يختزل معناه. هكذا يغدو النص، في النهاية، تأملًا في الهشاشة الإنسانية بقدر ما هو رواية عن الأم، ويغدو السرد نفسه محاولة لصنع معنى من قلب ما يقاوم المعنى.






