في زوايا المقاهي المنتشرة بأحياء الجديدة والإقليم ككل، يعيش المئات من العمال والعاملات قصة يومية لا تظهر للزبون؛ قصة لا تُروى مع فنجان القهوة، بل تُكتب بالعرق، وبالإهانة أحياناً، وبأجور لا تكفي لسد رمق أسبوع.
أجور لا تعترف بالجهد
الأرقام هنا صادمة أكثر من أي وصف، فالكثير من "البارمينات" بالإقليم يشتغلون بـ "500 درهم في الأسبوع"، أي حوالي 2000 درهم شهرياً، مقابل 10 ساعات عمل يومياً وبدون يوم راحة مضمون. أما النادلات وعاملات النظافة بالمقاهي فالوضع أقسى بكثير، إذ ينزل الأجر أحياناً إلى "360 درهماً في الأسبوع"، أي أقل من 1500 درهم شهرياً.
وحسب تصريح إحدى النادلات بمقهى شعبي بحي السلام بالجديدة، تقول:
"كنخدم 11 ساعة واقفة على رجلي، والخلصة 360 درهم فالأسبوع. إلى تغيبتي نهار كينقصوه لك من الخلصة".
أغلب هؤلاء العمال يشتغلون بدون عقد عمل، وبدون تغطية صحية، وبدون تصريح لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وتضيف النادلة:
"إلى مرضت نهار، ذاك النهار ضاع من الخلصة، أما المعاملة تُشعرك أنك أقل قيمة من الآخرين".
الوضع في الجديدة كما هو في مدن أخرى؛ العلاقة بين بعض المشغلين والعمال تتحول إلى علاقة تسلط، إذ أصبح الصراخ، والسب، وخصم مبالغ من الأجر لأتفه الأسباب أمراً عادياً.
العاملات بالقاعات تحديداً يعانين من نظرة دونية، وتُطلب منهن مهام خارج اختصاصهن، فمنهن من تقوم بمساعدة صاحب المقهى في منزله، ويُعاملن أحياناً كخادمات خاصات لصاحب المقهى أو لزبائن "مهمين". إن غياب ميثاق أخلاقي داخل هذه المؤسسات يجعل العامل في وضعية ضعف دائم.
التحرش والسكوت المفروض
أما الملف الأكثر حساسية فهو التحرش والسكوت المفروض؛ فعاملات المقاهي بالجديدة هن الأكثر عرضة له, سواء من طرف بعض الزبائن أو حتى من مسؤولين مباشرين.
والخوف من فقدان مصدر الرزق يدفع كثيرات للصمت، والأدهى أن غياب لجان الإنصات داخل المؤسسات الصغيرة يجعل تقديم الشكايات أمراً شبه مستحيل.
وعلاقة بالموضوع، يلاحظ غياب الرقابة المهنية والتفتيش؛ فقانون الشغل موجود على الورق فقط، لكن تطبيقه داخل مقاهي الجديدة شبه غائب، ومفتشية الشغل لا تصل إلا نادراً، وغالباً بعد تقديم شكاية رسمية، وهي خطوة يتجنبها العامل خوفاً من الانتقام.
كما أن غياب النقابات والجمعيات المختصة داخل هذا القطاع يزيد الطين بلة، فالعامل يبقى وحيداً أمام مشغل يملك كل أوراق اللعبة، حتى التكوين المهني شبه منعدم، فالمعظم يتعلم المهنة "بالتجربة"، دون تأهيل يحميه قانونياً ومهنياً.
خلاصة القول: قطاع يشتغل بصمت ويُنسى عند المحاسبة
عمال وعاملات المقاهي بالجديدة هم الوجه الخفي لقطاع الخدمات بالمدينة، يشتغلون بأجور أسبوعية لا تتجاوز 500 درهم للبارمينات و360 درهماً للنادلات وعاملات النظافة، في ظروف عمل مجهدة وبدون حماية قانونية.
إن الحل لا يكون فقط بالتشديد على التفتيش، بل بتغيير نظرة المجتمع والمشغلين لهذه المهنة، فكرامة العامل لا تُجزأ.
أجر عادل يحترم الحد الأدنى القانوني، عقد عمل مكتوب، بيئة عمل آمنة، وآليات واضحة للتبليغ عن التحرش؛ هي أبسط الحقوق التي يجب أن تكون غير قابلة للنقاش.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل معاناة "ولاد وبنات الكافيات" بإقليم الجديدة تُحكى همساً بين جدران المقاهي، وخارجها يسود الصمت.






