يبدو أن القواعد الجديدة للعب ستضطر الفاعلين في كرة القدم إلى التفكير، من الآن فصاعدا، في أساليب جديدة للتعاطي مع المعطيات المستحدثة. فسواء تعلق الأمر بالمدربين، أو مساعديهم، أو بالأطقم الطبية، أو باللاعبين، وحتى بالمسيرين، والجماهير، فاللعبة دخلت عهدا جديدا، بشروط مغايرة للتي ظلت تنتظم الأداء.
ومن شاهدوا المباراة الأولى ضمن فعاليات كأس العالم لكرة القدم 2026، بين المكسيك وجنوب إفريقيا، فهموا أن التحكيم سيكون صارما (الطرد)، ولا سيما في ما يتصل بتعطيل اللعب، بحيث سيعاقب بشدة من يعطلون سريان المباريات، وبخاصة بتمثيل الإصابة، أو بتأخير الكرة، ليدفع باللاعبين إلى الإسراع بالحركة، حتى لا يضيعوا على الجماهير؛ وهي قطب الرحى الذي يقوم عليه الاستشهار، ودورة اقتصاد اللعبة، فرجتهم.
بالنتيجة، فإن المعدين البدنيين، مستندين إلى الطب الرياضي، سيتعين عليهم الاشتغال على أساليب أكثر نجاعة في تهييء اللاعبين، على أن هؤلاء سيكونون ملزمين بجدية لا تقبل الجدل، بحثا عن طراوة متجددة، تساعدهم في التحمل طيلة وجودهم في ملعب سيضيق عليهم بقوة، ويجبرهم على بذل جهد أكبر، فيما سيفكر المدربون في خطط لامتصاص الضغط المتزايد، والاستفادة ما أمكن من المساحات المتاحة أمامهم للوصول إلى المرمى.
في الجانب الآخر، سيتعين على المسيرين أن يفكروا مليا قبل التوقيع للاعب ما، بناء على المعطيات الجديدة، آخذين بعين الاعتبار أن الجماهير، المحرك الأساسي للعبة، بما أنها هي الملتقي، والمشاهد، والمرغوب من المستشهرين، لن تتسامح مع أي خطأ تكون نتيجته بطاقة حمراء، أو إنذارات متراكمة للاعب متمرد أو متخاذل تؤدي به إلى عقوبة قاسية، تعطل مصعد الفريق في البطولات، وتزيحه من الترشح للفوز بالألقاب.
من الواضح للغاية أن المستشهرين، وهم من يحركون الدورة المالية لكرة القدم ككل، وبالتالي مالية الاتحاد الدولي للعبة، وبالنتيجة مالية الاتحادات المحلية، فالمنتخبات الوطنية، نجحوا في فرض تصورهم لمباريات الكرة في التلفزيون والمجال الرقمي، كي تصبح أكثر كثافة، وأكثر تشويقا، وأكثر جماهيرية. والواضح أن فيفا استجاب للمطلوب، مثلما استجابت قبله اتحادات دولية أخرى لما طلب منها، كي يبقي على ماليته في تطور مطرد، ويرضي الاتحادات المحلية بالمزيد. ومن الواضح أن ذلك يقع على عاتق اللاعب، الذي يصنع الفرجة.
بكلمات أخرى، إن كرة القدم، التي خضعت لتطوير مستمر من بداياتها المونديالية سنة 1930 بالأوروغواي، واليوم، ونحن ندخل عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، والفرجوية، وفورة العرض، صار التطوير أكثر سرعة وكثافة، استجابة لرغبات الجماهير، التي تشارك في اللعبة بطريقتها الخاصة. ولعلكم لاحظتم أي شكل صار عليه الحكام في الملاعب، وكيف يتحركون. فبعد أن كانوا يلبسون سراويل طويلة، ويحملون الصافرة فقط، صاروا اليوم بلباس رياضي خاص جدا، ويحملون الصافرة، والبطائق الملونة، وآليات التواصل عن بعد، بل وحتى كاميرات تبث مباشرة، ويتعين عليهم أن يتحدثوا، كل الوقت، مع أكثر من جهة.
لقد عبرنا من عصر الكرة الصامتة إلى عصر الكرة المتفاعلة.






