فن وإعلام

هوية شمال إفريقيا: من "متاهة الأصول" إلى "رحابة البوتقة التاريخية"

عبد المجيد النحكامي

غالباً ما تتحول النقاشات حول هوية شمال إفريقيا وتاريخها إلى حقل ألغام فكري، تتنازعه السرديات الإقصائية من مختلف الأطراف. وتظل التساؤلات حول ماهية "المحلي الأصيل" و"الوافد الدخيل" مثار جدل وسجال يتجاوز حدود البحث العلمي الرصين ليدخل معترك السجال الأيديولوجي والسياسي.

ولعل العودة إلى متون الأنثروبولوجيا المعاصرة، وتفكيك أطروحات كبار المؤرخين ـ ومنهم المؤرخ الفرنسي غابرييل كامبس (Gabriel Camps) في كتابه "البربر: ذاكرة وهوية" ـ تفتح لنا نافذة مغايرة لقراءة تاريخ المنطقة؛ قراءة تتجاوز "وهم النقاء العرقي" نحو مفهوم أكثر إنسانية وعلمية: "هوية البوتقة التاريخية والاستمرارية التراكمية".


(1) ـ المفارقة التأسيسية: كيف تولد الهويات محلياً؟

في كتاب كامبس المذكور، يقع القارئ لأول وهلة في "ارتباك فكري" أمام ما يبدو في عرضه من تناقض؛ فهو في حديثه عن تشكل السكان البربر، يذكر في إحدى الصفحات الأولى من الكتاب أن «علماء الإناسة يسلمون اليوم بأن السكان البيض في الشمال الغربي من إفريقيا، سواء منهم الذين استمروا على اللغة البربرية أو الذين عُربوا كليا في لغتهم وتقاليدهم، يعودون جميعا إلى أصل واحد أساسي؛ فمعظمهم ينحدرون من المجموعات ما قبل المتوسطية التي جاءت من المشرق في الألف الثامنة وربما قبلها، ثم أخذت بالانتشار رويدا رويدا في المغرب الكبير وفي الصحرء».

إلا أن القارئ يفاجأ بعد ذلك بصفحات، أن كامبس هذا نفسه يستنكر على من ينسب أصول البربر إلى إحدى القارات الثلاث بالقول: «و ماذا لو كان البربر لم يأتوا من أي مكان؟». وبعد تأكيده على رفض فرضيتي الأصل المشرقي والأصل الأوربي، يؤكد على "الأصل المحلي" بوصفها الفرضية "الأبسط" و و"البديهية". وفي سياق جرده للأصول المحلية المحتملة لهؤلاء البربر، ينتهي إلى القول بأنه «لا تكاد العناصر البشرية القفصية تختلف من الناحية الإناسية إلا قليلا عن سكان شمال إفريقيا في الوقت الحاضر؛ من بربر و"عرب"»، هذا ما يجعل القفصيين على «رأس سلسلة النسب البربري». وفكرة "الأصل المحلي" هذه هي نفسها التي تبناها محمد شفيق بقوله أنه «من العبث أن يبحث لـ"البربر" عن مواطن أصلية غير التي نشؤوا فيها منذ ما يقرب مئة قرن».

غير أنه، ومباشرة بعد فرضية الأصل المحلي التي تم تقريرها، يفاجأ القارئ من جديد بقول كامبس نفسه أن «جميع المعطيات تتفق على التسليم، وكما ذكرنا من قبل، بأن هؤلاء القفصيين يعودون بأصولهم إلى المشرق [هكذا!!..]. ولكن وصولهم إلى المغرب الكبير يعود إلى غابر الأزمان؛ بحيث لا يبالغ في شيء من يصف أحفادهم في هذه المنطقة بالسكان الأصليين الحقيقيين».

فكيف نفهم هذا التناقض الصارخ؟

لِتكن أداتنا للفهم هنا هي مفهوم "الولادة الثقافية". فوجود أصول بيولوجية أو حضارية سحيقة قادمة من المشرق في فجر التاريخ البشري، لا يعني بحال من الأحوال أن "مجموع البربر" هاجروا إلى شمال إفريقيا كشعب جاهز ومكتمل التكوين من خارج المنطقة.

لقد كان شمال إفريقيا بمتابة "البوتقة" التي انصهرت فيها المجموعات البشرية الأقدم (كالحضارتين الموستيرية و الإيبيرية المورية) مع الوافدين القفصيين. وعلى هذه الأرض حصراً، وعبر آلاف السنين من التفاعل والامتزاج، وُلدت الهوية واللغة والملامح الثقافية والاجتماعية الفريدة للمنطقة. إن الهوية هنا تشبه سبيكة معدنية متميزة؛ قد تكون بعض عناصرها الخام مستوردة من الخارج، لكن "السبيكة الجديدة" بمواصفاتها الفريدة لم تظهر ولم تولد إلا داخل المصنع المحلي لشمال إفريقيا. وفي هذا المعنى يقول اصطيفان إكزيل (Stéphane Gsell) «لا شك أن البربر ينتمون لأجناس مختلفة، وأن سلسلة طويلة من الأحداث المجهولة قد جمعتهم أو قاربت بينهم، ولكن الزمان وَحَّد نُظُمهم الاجتماعية وكذلك أخلاقهم ولغتهم، ومن العبث البحث لمعرفة من هم الذين أعطوا ومن الذين أخذوا».


(2) ـ صيرورة التاريخ، نهر يتجدد:

إن هذه الصيرورة الانصهارية التي بدأت منذ أقدم العصور التي استوطن فيها البشر هذه الأرض، لم تتوقف عند عصر بعينه، بل هي قانون ديمغرافي وثقافي مستمر يمكن سحبه على كافة العصور اللاحقة وصولاً إلى العصر الحالي الذي نعيشه اليوم. الهويات الثقافية والجينات البشرية ليست كائنات "متحجرة" توقفت عن النمو في غابر الأزمان، بل هي أشبه بالأنهار الحية؛ تتدفق عبر الجغرافيا، وتتلقى روافد جديدة باستمرار، لتشكل معًا "كيانا متجددا" يمتد عبر الزمن.

لقد عاشت المنطقة دورات متتالية من هذا الانصهار الإنساني. مما نعرف عنه مثلا:

ـ الرافد الفينيقي والقرطاجي: الذي أنتج الحضارة البونية الممتزجة محلياً.

ـ والرافد الروماني والبيزنطي والوندالي: الذي ترك بصماته المدنية والسياسية.

ـ والرافد العربي الإسلامي (الأكبر تاريخيًا والأعمق أثرًا): حيث إنه تداخل الفاتحون والمهاجرون العرب (خاصة مع الهجرات العربية الكبرى) مع النسيج المحلي، في عملية امتصاص ثقافي ولغوي متبادل، أنتجت الخصوصية المغاربية الإسلامية واللسان "الدارج" الذي يختزل هذا التمازج الممتد عبر التاريخ.

ـ والرافدين الأندلسي والعثماني: اللذان أضافا طبقات حضارية جديدة للنسيج المجتمعي.

ـ والرافد الأوربي عموما منذ العصر الوسيط: وقد بلغ ذروته مع التوسع الإمبريالي الفرنسي والإسباني والإيطالي.

هذا التدفق المستمر على مر التاريخ، لم يُلْغِ بتاتا الخصوصية العميقة للمنطقة، بل أغناها. غير أن هذه الخصوصية ليست نابعة من نقاء عرقي جامد، بل من الثبات الجغرافي للأرض والامتداد التاريخي المستمر الذي يفرض شروطه البيئية والمعيشية على كل وافد. لقد مثلت القاعدة الديمغرافية الأساسية المستقرة منذ الأزل حاضنة استوعبت تلك الموجات البشرية المتلاحقة، لا لكي يكون أحدها نسخة كاربونية عن الآخر، وإنما لكي يَتَخَلَّق بعد كل لقاء جديد خلقٌ جديد يستوعب السابق واللاحق معا في إطار من الاختلاط والمثاقفة، فيتلاشى التمايز تدريجيا (و إن ببطء شديد) لصالح الخلق الجديد..، وهكذا دواليك: تجد المعادن المختلفة نفسها قد وضعت في بوتقة الجغرافيا والتاريخ لكي تتشكل من مجموعها سبيكة معدنية لا تكف تتجدد...


(3) ـ فخ المصطلح وأحكام القيمة الخطيرة:

إن إدراك هذه الحقيقة التاريخية يدفعنا بالضرورة إلى مراجعة نقدية صارمة لبعض المصطلحات الشائعة في الخطابات الهوياتية؛ فعبارات مثل "المكون المحلي الأساسي" أو "السكان الأصليين" في مقابل نعت الآخرين بـ "الوافدين"، أو "الطارئين"، أو "الدخلاء"، هي عبارات مشحونة بأحكام قيمة خطيرة، وغالباً ما يُساء استغلالها من قِبل الخطابات العنصرية الإقصائية لتبرير التمييز ونزع مشروعية الانتماء.

تكمن خطورة هذه المصطلحات في ثلاثة أبعاد:

ـ وَهْم النقاء العرقي: وهو وَهْمٌ يُسقطه علم الجينات؛ إذ تشير التحاليل الجينية الشاملة لسكان شمال إفريقيا اليوم إلى أنها "لوحة فسيفساء" حية تعكس نِسبًا متداخلة من المكونات المحلية، والمشرقية، والأوروبية، والإفريقية. هذه الفسيفساء ليست وليدة العصر الوسيط أو حتى العصر القديم، بل تمتد جذورها إلى ما قبل التاريخ، ويكفي للدلالة على ذلك أن الفحص الجيني الذي خضع له إنسان تافوغالت الذي سبق القفصيين زمنيا، بَيَّن أنه ليس ليبيا خالصا، بل جمع في دمائه منذ ذلك التاريخ السحيق (15 ألف سنة) ما بين أصول ليبية ونطوفية (من فلسطين) وزنجية. 

ـ تحجير التاريخ: حيث يختار الفكر العنصري الإقصائي لحظة زمنية معينة في الماضي ليجعلها معياراً لـ "الأصالة"، ملغياً صيرورة التاريخ وحركية البشر التراكمية.

ـ تهديد السلم الاجتماعي: عبر تحويل "الأقدمية التاريخية" إلى صك ملكية سياسية واجتماعية يقصي مواطني اليوم والغد، ويصنفهم إلى مجرد "ضيوف مستثقلين" أو "عناصر طارئة".


(4) ـ نحو هوية الانتماء والعيش المشترك:

أمام شساعة مساحة شمال إفريقيا وانفتاحها الجغرافي، يصبح التعبير الأدق والأكثر إنصافاً تاريخيا وإنسانياً هو التعامل مع المنطقة باعتبارها "الأرضية التاريخية المستمرة التي انصهرت فيها كل الأجناس الوافدة"، مع الانتباه إلى أن "الجميع بدون استثناء كانوا مجرد وافدين في حقبة من حقبة التاريخ".

في عالم اليوم، لم يعد مستساغا تعريف الهوية بأسئلة الماضي السحيق المقترنة بـ "من أين جاء أجدادك قبل ألف عام؟"، بل بالأسئلة الوجودية الراهنة التي تبني الحاضر و تتطلع إلى المستقبل: "أين تنتمي، وتساهم، وتبني؟".

إن الاستقرار في أرض شمال إفريقيا، والاندماج في حركية ثقافتها، والمساهمة في صياغة حاضرها لقرون طويلة، يُسقط حتماً صفتي "الأصيل" و"الدخيل". فالشعوب ليست متاحف لكائنات متحجرة، بل هي كائنات حية تتفاعل وتغتني بكل رافد جديد يندمج في نسيجها. ومن هنا، فإن قوة شمال إفريقيا لم تكن يوماً في انغلاقها، بل في قدرتها على صهر التنوع وتحويله إلى سبيكة هوية متفردة، تتسع لجميع أبنائها على قاعدة العيش المشترك والانتماء للوطن.