حين انبرى بعض من بني جلدتنا العرب ،ممن يتقنون صناعة التبخيس، لمحاولة التقليل من القيمة التاريخية للمسار الكروي المغربي في مونديال قطر وفي المحافل الكروية الراهنة، تحججوا بفرية جاهزة: "إن أغلبية اللاعبين هم أبناء المهجر ونتاج تكوين أوروبي". هذا المنطق المتهافت لا يقرأ في الرياضة إلا أبعادها المادية الجافة، ويعجز عن رؤية ما وراء المستطيل الأخضر من أبعاد سوسيولوجية وسياسية وثقافية عميقة. وإذا أردنا محاكمة هذا الادعاء بمعياره الرقمي الذاتي، فإن السؤال الفاضح الذي يطرح نفسه مباشرة: لماذا لا تستثمر الدول الأخرى التي تمتلك ملايين المغتربين في أبنائها؟ ولماذا يعجز الآخرون عن إنتاج هذه الرابطة الحية التي تجلب ابن المهجر من الجيل الرابع والخامس ليموت قتالا على قميص وطن أجداده؟
لتفكيك هذه الظاهرة، تبرز جمهورية مصر العربية كحالة مقارنة نموذجية بالغة الدلالة، فهي صاحبة الكتلة البشرية المغتربة الأكبر عربيا وإقليميا حيث تشير التقديرات إلى وجود ما يقارب 10 إلى 12 مليون مغترب مصري يتوزعون بين دول الخليجوأوروبا وأمريكا الشمالية. هذا الخزان البشري الهائل، مضافا إليه جاليات دول أخرى كالجزائر (بين 4 و5 ملايين) وتونس وسوريا والعراق، يثبت أن "الوفرة العددية" في الخارج ليست هي المفتاح بل السحر يكمن في كيفية تحويل هذه الوفرة إلى رأسمال وطني رياضي ووجداني.
في الحالة المصرية، يلاحظ المرء تفوقا تاريخيا محليا صِرفا ، فالكرة المصرية بنيت على مجد الأندية المحلية العريقة، لا سيما القطبين الأهلي والزمالك، اللذين احتكرا القارة الإفريقية لسنوات طويلة بناءً على إنتاج المواهب داخل البيئة المصرية. لكن حين يتعلق الأمر باختراق الجاليات والمغتربين في أوروبا تظهر فجوة مؤسساتية حادة مقارنة بالنموذج المغربي. إن تجربة صعود نجم عالمي مثل محمد صلاح هي في جوهرها قصص نجاح "عصامية وفردية" للغاية، انطلقت من الداخل المصري نحو الخارج، ولم تكن نتاج "رادارات تنظيمية" تنقب عن المواهب من أبناء الجيلين الثاني والثالث للمهاجرين المصريين في أحياء لندن أو باريس أو برلين. المنظومة الكروية في مصر ظلت لسنوات طويلة "مركزية الإدارة ومحلية الأفق" في كشافيها، مما فوت عليها فرصة استيعاب مئات المواهب الناشئة في المهجر الغربي والتي تحمل دماءً مصرية.
هنا تحديدا يكمن الفرق الجوهري ،فالمركب المؤسساتي المغربي لم يترك ملف مغاربة العالم للمصادفة أو العفوية اللحظية. لقد استثمر المغرب في بناء ترسانة قوية تمتد من مجلس الجالية ومؤسسة الحسن الثاني للمغتربين، وصولا إلى شبكة كشافة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في أوروبا. المغرب لم ينتظر حتى يسطع نجم اللاعب في الدوري الهولندي أو الإسباني ليتحرك برغماتيا، بل أنشأ قنوات تواصل دافئة تحتضن الطفل الصغير في فئات البراعم، وتُشعره بأن وطنه الأم يتابعه ويفخر به قبل أن تلتفت إليه أعين منتخبات دول الإقامة.
إن هذا النجاح يحيلنا مباشرة على عمق البنية السياسية والتاريخية للمغرب. فالحديث عن "مملكة عريقة ونظام سياسي جامع لشمل الأمة" ليس ترفا خطابيا بل هو حقيقة بنيوية في علم الاجتماع السياسي. يمثل المغرب نموذج "الدولة-الأمة" المستمرة عبر القرون، حيث تلعب المؤسسة الملكية دور المظلة "فوق-السياسية". قد تكون للمواطن أو المغترب ملاحظات تدبيرية على أداء حكومة ما، لكن الرمز السيادي يظل مقدسا وجامعا ومتساميا عن الخلافات الحزبية الضيقة. هذا الاستقرار الرمزي يمنح اللاعب المغترب شعورا مطلقا بالأمان والانتماء لكيان تاريخي صلب ومتجذر. في المقابل، عانت دول مشرقية عديدة، من بينها مصر في محطات من تاريخها الحديث، أو دول كالعراق وسوريا من هزات سياسية وتحولات في طبيعة الأنظمة، أدت أحيانا إلى خلق مسافة وجدانية أو توجس بين المغترب ومؤسسات بلاده، أو جعلت الانضمام للمنتخب يخضع أحيانا للتسييس والمزايدات الضيقة، مما يدفع بعض المواهب المهاجرة إلى تفضيل الابتعاد.
يتصل بهذا المعطى السياسي بناء ثقافي وسوسيولوجي بالغة الأهمية يُعرف بـ "تمغربيت" كعقيدة عابرة للأجيال. في أدبيات علم الاجتماع، يُفترض أن الجيلين الرابع والخامس من المهاجرين يذوبون كليا في مجتمعات الإقامة الغربية، ويفقدون الروابط اللغوية والعاطفية مع بلدانهم الأصلية. غير أن الأسرة المغربية في المهجر تكسر هذه القاعدة الكلاسيكية، إذ يعاد إنتاج الثقافة والعادات والطقوس والولاء للجذور بصرامة دافئة داخل البيت. وعندما تشتعل العاطفة الكروية، تصبح كرة القدم أداة التعبير الأسمى والعلنية عن هذا الانتماء الكامن. اللاعب المغربي المغترب لا يختار قميص أسود الأطلس لأنه لم يجد مكانا في منتخبات أوروبا ـ كما يزعم المبخسون ـ بل إنه يختار المغرب وهو في أوج عطائه ومحط صراع وإغراء من كبريات الاتحادات الأوروبية، مدفوعا بـ "عقد مواطنة روحية" رُضع مع الحليب في طفولته.
أما فرية أن هذا المنتخب هو "صناعة أوروبية خالصة"، فهي قراءة عوراء تتجاهل مفهوم التكامل والتلاقح. هؤلاء اللاعبون يأخذون من المنظومة الأوروبية قيم الانضباط التكتيكي والاحترافية والبنية الفيزيائية، لكنهم يضخون في رقعة الميدان تلك "الروح والقتالية والشغف الوجداني" التي لا تُدرّس في أكاديميات أوروبا. علاوة على ذلك، فإن هذه الأطروحة تتناسى عمدا النواة الصلبة المحلية للمنتخب، فأكاديمية محمد السادس لكرة القدم ـ وهي مشروع محلي برؤية ملكية ومواصفات عالمية ـ هي التي فرّخت للعالم أسماء من عيار نايف أكرد وعز الدين أوناحي ويوسف النصيري. هذا الانصهار البديع بين الكفاءة المهاجرة والموهبة المحلية المنقحة هو الذي يصنع الفارق، وليس الاتكال الأعمى على ما تجود به المدارس الأجنبية.
في النهاية، يبدو جليا أن تبخيس هذا المسار الرياضي المتميز من بعض الأطراف هو محاولة سيكولوجية لتبرير الفشل وهروب إلى الأمام لعدم مواجهة الحقيقة المُرّة: وهي أن منظوماتهم المحلية عجزت عن ابتكار الصِّلات المؤسساتية والروحية اللازمة لاستثمار ثرواتها البشرية المهاجرة. لقد أثبت المغرب للعالم أن المواطنة الحقة ليست مجرد وثيقة تُشهر عند بوابات المطارات، بل هي هندسة وجدانية وثقافية ومؤسساتية دقيقة تُبنى في عواصم الغربة، لتثمر مجدا كرويا وفخرا قوميا تحتفي به الأمة من طنجة إلى الكويرة.






