قضايا

طاقات سلبية وإفرازات "العيد" !

عبد اللطيف مجدوب

تحول عيد الأضحى في السنوات الأخيرة من مناسبة دينية واجتماعية تُشيع البهجة والتضامن، إلى محطة سنوية لإنتاج التوتر والقلق الجماعي. خلف المظاهر الاحتفالية الطقوسية، تختبئ ديناميات سفوحها مشحونة بـ "طاقات سلبية"عابرة للمجتمع، أفرزتها ضغوطات اقتصادية حادة وسياقات سياسية وتواصلية تتقن توجيه الرأي العام.

 سيكولوجية "الغلاء" وإنتاج الطاقة السلبية

شهدت الفترة المصاحبة للذهاب إلى العيد هذا العام ظاهرة نفسية واجتماعية حادة، اتسمت بـالالتهاب غير المسبوق في الأسعار . لم يقتصر الأمر على سوق الأضاحي الذي بات يقصي فئات واسعة من الطبقة المتوسطة والهشة، بل امتد اللهيب ليشمل الخضروات، الفواكه، والخدمات العامة التي تضاعفت تكلفتها بشكل جنوني.

بفعل هذا الحصار المالي، وجد المواطن نفسه مشحوناً بطاقات سلبية تفوق قدرته الاعتيادية على التحمل. هذا الشحن النفسي الزائد فرض سياقاً يبحث فيه الجسم المجتمعي عن "مكب" أو منفذ لتصريف هذا الاحتقان. وبما أن القنوات الطبيعية للتعبير غالباً ما تكون مغلقة أو غير مجدية، فقد تُرجم هذا الكبت إلى:

صمت عام ملحوظ ؛ هدوء ثقيل يسبق العاصفة، يعكس العجز والصدمة،ثم نظرات عدوانية متبادلة مع تحول "الآخر" في الفضاء العام (الشارع، السوق، وسائل النقل) إلى غريم محتمل.

 سلوكيات مستفزة ؛ مشاحنات مجانية ومشاجرات لأتفه الأسباب، تفضي أحياناً إلى عنف لفظي ومادي غير مبرر، ليس إلا انعكاساً مرآتياً لمرارة العجز الشرائي.

معارك "صرف الانتباه" وهندسة الوعي الجمعي

أمام هذا التوتر الاجتماعي المبطن، وجدت السلطات العمومية نفسها في مواجهة مباشرة مع اتهامات شعبية تُحملها كامل المسؤولية عن لهيب الأسعار، وفشلها في كبح جماح الاحتكار فائق التأثير والألم الذي يقتات على جيوب المواطنين بلا رقيب.

وبدلاً من معالجة الجذور البنيوية للأزمة، اختارت السلطات الدخول على خط التوتر بآليات تواصلية تعتمد على استغلال ضحالة الوعي الجمعي والاحتيال الذكي على المشاعر الجماهيرية. وتجلت هذه الاستراتيجية في هندسة "الأزمات البديلة" ، لـتحويل اهتمام الرأي العام وتخدير الصدمة الاقتصادية:

من صدمة الأسعار إلى صدمة "طفل القرعة"

 تم تضخيم وتصدير قضايا هامشية ومثيرة للجدل (كقضية "طفل القرعة") لتتصدر "التريند" والنقاشات العمومية، مستنزفة العاطفة الشعبية في جدل عقيم يُنسي المواطن جمر الأسعار.

الهروب نحو "مخدر" المستطيل الأخضر !

 وفي خطوة تالية، يتم الرهان على تحويل الأنظار نحو صدمات وإنجازات المنتخبات الوطنية في كأس العالم 2026 ، كأداة تصريف كبرى للشحن السلبي، ومحاولة دؤوبة لتذويب الهمّ المعيشي اليومي في مشاعر "الوطنية الرياضية" المؤقتة.

وكخلاصة ، إن إفرازات العيد الحالية تدق ناقوس الخطر حول السلم الاجتماعيي فإذا كانت آليات "إلهاء الرأي العام" وصرف انتباهه تنجح في ترحيل الأزمات وتسكين الآلام ظرفياً، فإن الطاقات السلبية المتراكمة في العمق السيكولوجي للمجتمع تظل قابلة للانفجار ما لم يتم تبني مقاربات حقيقية تحمي كرامة المواطن وقدرته الشرائية.