كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، ترتفع حرارة السباق داخل الأحزاب أكثر مما ترتفع حرارة النقاش حول قضايا المواطنين. تبدأ معارك التزكيات، وتُفتح ورشات تغطية الدوائر، ويشتد البحث عن الوجوه القادرة على جلب الأصوات، بل وعن المرشحين القادرين على تحمل الكلفة المالية للحملات الانتخابية، رغم ما تستفيد منه الأحزاب من دعم عمومي مصدره المال العام. هذا المشهد قد يبدو مألوفاً في الأحزاب التي لا ترى في السياسة سوى طريق نحو المقاعد والمواقع. لكن المثير للاستغراب أن بعض الأحزاب التي تقدم نفسها باعتبارها صوت الشعب وحاملة مشروع التغيير، تقع بدورها في الفخ نفسه. فبعد سنوات من الحضور الباهت أو الغياب عن هموم الناس اليومية، تستيقظ فجأة على إيقاع الانتخابات، وتتحول هي أيضاً إلى جزء من السوق الانتخابية التي كانت تنتقدها بالأمس. السؤال البسيط هنا: إذا كانت السياسة عملاً مجتمعياً دائماً، فلماذا لا يبدأ التأطير السياسي للمواطن إلا مع اقتراب موعد الاقتراع؟ ولماذا لا تنخرط الأحزاب الجادة في عمل توعوي مستمر يهدف إلى بناء وعي سياسي يحصّن المواطنين من الابتزاز الانتخابي ومن تحويل أصواتهم إلى سلعة موسمية؟
كان الأجدر بمن يدّعي الانحياز للشعب أن يفتح منذ سنوات، لا منذ أشهر، نقاشاً واسعاً داخل المجتمع حول معنى الانتخابات وحدودها وإمكاناتها. نقاشاً حراً ومسؤولاً حول المشاركة والمقاطعة معاً، حول جدوى المؤسسات وحدود الفعل السياسي، وحول شروط بناء ديمقراطية حقيقية. فالقضية ليست إقناع الناس بخيار جاهز، بل تمكينهم من المعرفة التي تسمح لهم بصناعة موقفهم بحرية ووعي. إن السياسة التي تستيقظ فقط مع اقتراب صناديق الاقتراع ليست سياسة تغيير، بل مجرد إدارة للمواعيد الانتخابية. أما الأحزاب التي تريد فعلاً أن تكون إلى جانب الشعب، فعليها أن تكون حاضرة في وعيه قبل أن تبحث عن صوته، وأن تستثمر في بناء المواطن قبل أن تستثمر في بناء اللوائح الانتخابية. فالفرق كبير بين حزب يهيئ المجتمع للمشاركة الواعية في الشأن العام، وحزب لا يتذكر المجتمع إلا عندما يحين موسم الأصوات.






