قضايا

الوفاة المأساوية لمغربي في بولونيا.. هل يكتفي المغرب ببلاغ رسمي؟

علي بوزردة (صحفي، مدير موقع Article 19 )

كثيرًا ما تُقاس الديمقراطيات بمدى احترامها لحقوق الأحياء. غير أنها تُقاس أيضًا بقدرتها على كشف الحقيقة عندما يفارق أشخاص الحياة وهم تحت سلطة القوة العمومية. وهذا هو السؤال الذي تطرحه اليوم الوفاة المأساوية لعبد الرحيم فقير، بمدينة بولونيا الإيطالية.

ففي الثانية والأربعين من عمره، لقي هذا المواطن المغربي مصرعه أثناء عملية توقيف نفذتها الشرطة الإيطالية. وتُظهر مقاطع الفيديو المتداولة، منذ يوم الأحد 19 يونيو، رجلاً مُثبتًا على الأرض بعنف شديد، يردد في يأس: «النجدة… كفى»، قبل أن يفقد وعيه.

وقد فُتح تحقيق قضائي في القضية، فيما أمرت نيابة بولونيا بإجراء تشريح للجثة، ولا تزال الظروف الدقيقة للوفاة قيد التحديد. وسيكون على القضاء أن يحدد المسؤوليات المحتملة لشرطيين ومدني شاركوا في هذه الواقعة، التي تُذكر، من بعض جوانبها، بقضية جورج فلويد George Floyd في الولايات المتحدة، حيث أدى تثبيت رجل أثناء تدخل أمني إلى وفاته، ما أعاد بقوة النقاش حول حدود استخدام الشرطة للقوة.

لكن حقيقة واحدة تفرض نفسها منذ الآن: عندما تنتهي عملية أمنية بوفاة إنسان، فإن مسألة تناسب القوة المستعملة لا يمكن تجاهلها. فالأمر لا يتعلق بإصدار أحكام مسبقة، بل بالتذكير بمبدأ أساسي في كل دولة قانون. فالشرطة تحتكر استخدام القوة العمومية، ولا تستمد مشروعيتها إلا من ممارستها في حدود الضرورة والتناسب، مع الاحترام المطلق للحق في الحياة.

الحقيقة… أول واجب تجاه الأسرة

إن ألم العائلة يعادل حجم ما يكتنفها من حيرة وعدم فهم. فقد قالت شقيقة الضحية، متأثرة، لصحيفة كورييري ديلا سيرا : «الشرطة من المفترض أن تحمينا، لا أن تقتلنا كما يُقتل كلب». وهذه العبارة، على قسوتها ووقعها المؤلم، لا تشكل حكمًا قضائيًا، وإنما تعبر عن صرخة أسرة فقدت أحد أفرادها أثناء تدخل أمني، ولا تطالب اليوم إلا بشيء واحد: الحقيقة.

ويؤكد محامي الأسرة، شأنه شأن عدد من القانونيين الإيطاليين، أن أسلوب التثبيت الذي استعملته الشرطة محل انتقادات منذ سنوات، بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر قد تكون قاتلة. وهنا أيضًا، يبقى التحقيق وحده الكفيل بتحديد ما إذا كانت هذه الطريقة قد ساهمت في الوفاة.

وفي إيطاليا، تحولت القضية إلى نقاش وطني. فوسائل الإعلام، والقانونيون، والمسؤولون السياسيون، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، يطرحون علنًا تساؤلات حول أساليب التوقيف، ويطالبون بكشف الحقيقة كاملة. وقد تختلف الآراء، لكن ثمة قناعة تكاد تكون جامعة: لا يمكن لأي ديمقراطية أن تدير ظهرها عندما يموت إنسان وهو تحت سيطرة قوات إنفاذ القانون.

مغاربة العالم لهم الحق في الحماية نفسها

أما في المغرب، فإن التباين يبدو صارخًا.

لقد كان بلاغ وزارة الشؤون الخارجية، الذي دعا إلى إجراء تحقيق شامل وتحديد المسؤوليات، خطوة ضرورية. لكنه لا يكفي وحده للتعبير عن مدى ارتباط الدولة بأحد مواطنيها الذي توفي في ظروف بهذه الخطورة. فأين الأحزاب السياسية؟ وأين المنظمات الكبرى المدافعة عن حقوق الإنسان؟ وأين مظاهر التضامن الوطني التي كان يفترض أن تتجلى تلقائيًا عندما يفقد مغربي حياته في الخارج في ظروف تثير كل هذا القدر من التساؤلات؟

إن المطالبة بالحقيقة ليست إدانة لإيطاليا، كما أن الدعوة إلى تحقيق مستقل وشفاف ونزيه ليست اتهامًا مسبقًا لأحد. إنها ببساطة تذكير بأن المواطن المغربي، أينما كان، من حقه أن يحظى بالكرامة نفسها وبالحماية نفسها.

صحيح أن المشاعر لا تعوض العدالة، لكن الصمت لا يمكن أن يكون بديلاً عن التضامن. إن عبد الرحيم فقير يستحق أن تُكشف الحقيقة كاملة، وأسرته تستحق أجوبة واضحة. فالقوة العمومية لا تكتسب احترامها إلا عندما تحترم الحياة، والأمم لا تكون عظيمة حقًا إلا عندما لا تتخلى عن أبنائها، أينما وجدوا.

تحذير للديمقراطيات

ومع اختلاف السياقات، فإن غياب رد قضائي واضح وحازم قد يفتح الباب أمام تطبيع ممارسات تمييزية، في سياق أوروبي يشهد تصاعد الحركات القومية واليمينية المتطرفة.

ولا ينبغي اختزال وفاة مواطننا في مجرد حادث عابر. فهي تمثل اختبارًا للمؤسسات الإيطالية، المدعوة إلى إثبات أن لا أحد فوق القانون، حتى عندما يتعلق الأمر باستخدام القوة العمومية. وبهذا وحده تُقاس مصداقية دولة القانون.

ويعلمنا التاريخ أن أي ديمقراطية ليست بمنأى نهائيًا عن الانزلاقات، عندما تتوقف الانتهاكات المرتكبة باسم السلطة عن إثارة الصدمة أو المطالبة بالمحاسبة. فالحريات لا تختفي دفعة واحدة، وإنما تتآكل تدريجيًا عندما ي تحل اللامبالاة محل اليقظة.

وأخيرًا، لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان حقيقة تاريخية راسخة: فقد امتزجت دماء آلاف الجنود المغاربة بتراب إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية، وهم يسهمون في تحريرها من براثن الفاشية والنازية.

وتتردد اليوم كلمات المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، الواردة في دفاتر السجن (1929-1935)، بوقع لافت: «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يتأخر في الظهور، وفي هذا الشفق تولد الوحوش». ولم يكن غرامشي وحده من استشعر هذا الخطر؛ فقد حذّر ليون تروتسكي، في الفترة نفسها، من الزحف المتدرج للفاشية والنازية في أوروبا، ومن عجز النخب السياسية عن إدراك حجم التهديد. لكن كثيرًا من القادة آنذاك اختاروا تجاهل تلك الإنذارات، أداروا ظهورهم لتلك التحذيرات” حتى وجدت القارة نفسها أمام واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخها.