«الصورة الفوتوغرافية هي الحقيقة، أما السينما فهي الحقيقة أربعاً وعشرين مرة في الثانية.»
جان لوك غودار
على الرغم من الإرادة المعلنة لتحديث قطاع السينما الوطني، فإن تدبير محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، خلّف آثاراً سلبية عميقة على هذا القطاع. فبالاعتماد على أساليب حكامة تتسم بغياب الشفافية، وبسبب الانزلاق نحو مقاربة تكنوقراطية في تدبير الشأن الثقافي، أدت سياسته عملياً إلى تهميش المهنيين وهيئاتهم، والتأثير بشكل غير مشروع في لجان الدعم، وتشجيع سينما ترفيهية نمطية، على حساب احترام التنوع الثقافي وغنى التراث المغربي.
وبعد أن ظللت لفترة طويلة آمل في حدوث تحول إيجابي، عقب التدبير الكارثي لصارم الفاسي الفهري، وقد خدعنا خطاب منمق اتضح في النهاية أنه مجرد وهم كامل، فإنني أسعى من خلال هذا التحليل النقدي إلى دراسة الآليات التي أدت إلى هذا التراجع بصورة موضوعية، واستعراض آثاره البالغة الضرر، التي قد تنتهي بتدمير الأسس التي بُني عليها قطاع السينما الوطني بصبر وعلى مدى سنوات.
الهيمنة وتهميش المهنيين
يكمن أول عناصر هذا التراجع في الإقصاء التدريجي للفاعلين التاريخيين في القطاع. ففي ظل ولاية بنسعيد، تم إبعاد الجمعيات والنقابات والغرف المهنية، التي شكلت تاريخياً ضمانة لغنى وتنوع الإبداع الفني الوطني، من مسارات التشاور والمشاركة في اتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بتطوير القطاع.
وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى إقصاء السينمائيين، بدءاً من الرواد والمخضرمين، مروراً بالمخرجين والمنتجين وكتاب السيناريو والنقاد والموزعين وأصحاب قاعات السينما، سواء كانوا من ذوي الخبرة أو من المبدعين الشباب، من أي مساهمة فعلية في تدبير القطاع.
كما أن القانون الجديد رقم 18.23، الذي يعيد تنظيم القطاع ويحدد اختصاصات المركز السينمائي المغربي، تم إعداده بالكامل من طرف بنسعيد ومستشاريه المقربين، بينما لم تتجاوز اجتماعات التشاور مع المهنيين وهيئاتهم طابعها الشكلي.
وفي الواقع، فإن جميع المبادرات التي اتُّخذت لإعادة تنظيم الصناعة السينمائية في إطار مشروع القانون 18.23، وبحسب رأي غالبية المهنيين والمتابعين، لم تؤدِّ سوى إلى إرباك الصناعة السينمائية الوطنية وإحداث اضطرابات سلبية فيها. وإذا كانت الإصلاحات تبدو ضرورية، فإن الطريقة التي اعتمدت لتنفيذها استبعدت أي مقاربة تشاركية، وأقصت عمداً الشركاء الاجتماعيين التقليديين.
ومنذ نونبر 2025، عكست أسئلة البرلمانيين ومداخلات مختلف الفاعلين حجم هذا التذمر، حيث اتُّهم وزير الثقافة بتعمد تجاهل الموضوع والتنصل من أي مسؤولية بناءة في تدبير القطاع وإدارة منظومة الدعم العمومي للسينما بطريقة عقلانية.
وقد أدى هذا الانقطاع في الحوار إلى خلق فراغ مؤسساتي، تُتخذ فيه القرارات من دون تشاور حقيقي، ليقتصر دور المهنيين على مجرد متفرجين. أما المخرجون الشباب، على وجه الخصوص، فقد وجدوا أنفسهم أمام منظومة شديدة التعقيد والإجراءات، تقوم على منطق الرقابة والتحكم بدل مواكبة المبدعين.
ومن خلال إضعاف الهياكل الوسيطة، أضعف الوزير بنسعيد النسيج الجمعوي برمته، فاتحاً المجال أمام السيطرة الهادئة والفعالة على مفاصل اتخاذ القرار. وهكذا أصبح مسؤولو مختلف المصالح والإدارات التابعة لقطاعات التواصل والثقافة والمركز السينمائي المغربي والمكتبة الوطنية للمملكة المغربية والمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة والسينماتيك الوطنية وغيرها، مجرد منفذين لتعليمات تصدر إليهم، في إطار منطق تجاري صرف، دون أي إمكانية للمبادرة الموضوعية أو العقلانية.
الهيمنة على لجان الدعم: استقلالية جرى تقويضها
تكمن الآلية الثانية، التي تمثل محور الانحراف الذي شهده قطاع السينما المغربي، في هيمنة الوزير على لجان دعم السينما الوطنية. فهذه اللجان، التي يُفترض أن تتمتع بالاستقلالية، تحولت إلى أدوات للمصادقة على اختيارات ذات طابع سياسي وشخصي وتجاري.
فمنذ سنة 2023، اعتُبر تشكيل اللجنة الجديدة خطوة ترمي إلى إحكام السيطرة على المنظومة. وقد أشارت تقارير موثوقة إلى وجود تدخلات في قرارات لجنة دعم الإنتاج السينمائي، مؤكدة أن ذلك يقوض استقلاليتها وموضوعية منح الدعم. كما أثبتت شهادات متطابقة أن هذه الاستقلالية تعرضت لانتهاك واضح، بل إن مصادر جدية تحدثت عن فرض الوزير تغييرات على قائمة المشاريع التي تم انتقاؤها.
وقد ترتبت عن هذه السيطرة المباشرة نتائج ملموسة، إذ لم يعد منح الدعم يستند إلى معايير فنية أو موضوعاتية أو تقنية موضوعية، بل أصبح خاضعاً لمنطق العلاقات والزبونية.
وفي مارس 2025، شكل تنصيب اللجنة الجديدة، التي لا تزال تمارس مهامها، مناسبة دافع خلالها الوزير بنسعيد عن رؤية تجارية واقتصادية بحتة، ترمي إلى إرساء نموذج قائم على منطق الأعمال، مع وضع البعد الثقافي في مرتبة ثانوية.
وقد اعتبر البعض هذه الممارسة شكلاً من أشكال تحويل الأموال العمومية عن أهدافها الأصلية، كما تعرضت لانتقادات من عدد من الصحفيين والبرلمانيين.
تسليع المهرجانات وفضاءات الترويج
أما المحور الثالث لهذا التراجع، فيتعلق بالمهرجانات السينمائية، التي يفترض أن تكون فضاءات لإبراز تنوع الإبداع السينمائي المغربي. غير أنها، في عهد بنسعيد، تحولت إلى واجهات للمحاباة ومصادر للربح لفائدة بعض الأطراف.
فقد أصبحت عملية اختيار المهرجانات المستفيدة من دعم المركز السينمائي المغربي، وكذلك تحديد قيمة الدعم المخصص لها، تكتنفها درجة كبيرة من الغموض. كما لاحظ كثيرون أن لجنة دعم تنظيم المهرجانات، التي جرى تعيينها أخيراً، تضم أشخاصاً تجمعهم علاقات واضحة بالوزير.
وقد أتاح هذا التقارب الحصول على منح مالية دون منافسة حقيقية. وفي الوقت نفسه، أشار عدد من المتابعين إلى أن طريقة تدبير بعض المهرجانات أعيدت هيكلتها لإدماج شخصيات مؤيدة للسياسة التي ينتهجها الوزير.
وقد أدت هذه الهيمنة، التي لم تعد تخفى على أحد، إلى خنق المبادرات المستقلة وتقليص قدرة المهرجانات على أداء دورها كفضاءات للنقاش واكتشاف التجارب السينمائية الجديدة.
القاعات متعددة الاستعمالات: مشروع لم يحقق أهدافه
يعد مشروع الوزير الرامي إلى تحويل 150 داراً للثقافة إلى قاعات للسينما أحد أبرز الإخفاقات التي أثرت سلباً في الحياة الثقافية الوطنية.
فمع تخصيص صفقة لتجهيز كل قاعة بقيمة 500 ألف درهم، كان من المفترض أن يشكل المشروع دفعة قوية للفن السابع، غير أنه تحول إلى هدر مالي ولوجستي، ما تزال آثاره السلبية ماثلة إلى اليوم.
وقد أدى تجهيز هذه الفضاءات بمعدات سينمائية تحت شعار «تعدد الاستعمالات» إلى تقويض النشاط المسرحي عملياً، إذ أصبحت متطلبات الديكور والإضاءة الضرورية للعروض الحية غير قابلة للتنفيذ.
وبذلك، لم تعد هذه الفضاءات قاعات مسرح، لكنها في المقابل لم تتحول إلى قاعات سينمائية حقيقية، لتجد نفسها في وضعية وسطية عقيمة أفقدتها دورها الثقافي.
أما الجانب السينمائي من المشروع، فلم ينجح في استقطاب الجمهور. فرغم اعتماد أسعار مخفضة بلغت 15 درهماً للشباب و20 درهماً للبالغين، ظلت العروض تُقام أمام قاعات شبه فارغة.
ولم يتحقق الإقبال المنتظر، فتحولت هذه المرافق المجهزة بتكاليف مرتفعة إلى ما يشبه الأضرحة السينمائية، حيث تعمل أجهزة العرض أمام مقاعد خالية.
وفي النهاية، تحول هذا المشروع، الذي وُصف بأنه سيئ التصميم، إلى أزمة بالنسبة للثقافة الوطنية. ففي محاولة لتحديث العرض الثقافي، جرى القضاء على ما كان يؤدي وظيفته، وهو المسرح، دون أن ينجح المشروع في تحقيق ما وعد به من إحياء للفرجة السينمائية.
وأصبحت دور الثقافة، التي كانت تنبض بالحياة، مجرد مبانٍ خاوية، تجسد سياسة ثقافية منفصلة عن واقع الميدان، وهو ما يجعل هذا الإخفاق، بحسب كاتب المقال، يستدعي مراجعة شاملة للاستراتيجية الثقافية للمملكة.
سينما الترفيه على حساب التنوع الثقافي
أخيراً، شجعت سياسة بنسعيد نموذجاً من السينما الترفيهية النمطية والمنفصلة عن الواقع الاجتماعي والتاريخي للبلاد، على حساب السينما التي تدفع إلى التفكير والفهم.
فمنذ توليه المسؤولية، أظهر الوزير تفضيلاً واضحاً لسينما شعبية ومربحة، منسجمة مع منطق تجاري وصناعي، مع إبعاد البعد الثقافي عن الأولويات. وفي هذا السياق، دعا إلى إدماج صناعات الألعاب الإلكترونية ضمن الصناعة السينمائية، معتبراً هذا التوجه «رافعة استراتيجية لتحفيز تشغيل الشباب».
غير أن هذه المقاربة تختزل الإبداع السينمائي في مجرد قطاع اقتصادي، وتتجاهل دوره كوسيلة ثقافية تساهم في تنمية الفكر النقدي والحفاظ على التراث الوطني بمختلف مكوناته.
وقد بدأت نتائج هذا التوجه تظهر بالفعل. إذ تشير بعض المنابر الإعلامية إلى أنه «لا ينبغي تركيز جميع الإمكانات على الترفيه»، وهو ما يفهم منه أن هذا الأمر يحدث فعلاً على أرض الواقع.
وأصبحت الإنتاجات المحلية تتجه بشكل متزايد نحو الكوميديا الخفيفة، والدراما العاطفية النمطية، وأفلام الحركة المصممة خصيصاً لجمهور «تيك توك» وشبكات التواصل الاجتماعي.
وفي المقابل، يواجه المخرجون الراغبون في تناول مواضيع حساسة، مثل التاريخ الاستعماري، أو التفاوتات الاجتماعية، أو قضايا النوع الاجتماعي وغيرها، عراقيل متزايدة.






