سياسة واقتصاد

انتخابات 2026.. بين جاهزية التنظيم وتحدي تعزيز الثقة

خديجة الكور (رئيسة منظمة النساء الحركيات)

لم تكن المعطيات التي قدمتها وزارة الداخلية خلال الاجتماع الذي عقده وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية، يوم 14 يوليوز 2026، مجرد أرقام تقنية مرتبطة بالتحضير للانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، بل شكلت مدخلًا لقراءة أوسع حول واقع المشاركة السياسية، وحدود التمثيلية، وشروط إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات والفاعلين السياسيين.

وتكشف المعطيات المرتبطة بالتحضير لهذا الاستحقاق عن مستوى متقدم من الجاهزية التنظيمية والمؤسساتية. فقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية حوالي 15,8 مليون ناخب وناخبة، وتم تخصيص حوالي 41 ألف مكتب للتصويت بمختلف جهات المملكة، بما يضمن تقريب العملية الانتخابية من المواطنين وتيسير ممارسة حقهم الدستوري في التصويت. كما تم اعتماد منصة إلكترونية لإيداع التصريحات بالترشيح، وتفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات التي تضم وزارة الداخلية ورئاسة النيابة العامة وتمتد إلى المستويين الجهوي والإقليمي، بهدف تعزيز مراقبة العملية الانتخابية وضمان احترام القواعد القانونية.

وفي إطار مراجعة اللوائح الانتخابية وتنقيتها، تم تسجيل ومعالجة مجموعة من الحالات التي لا تستوفي شروط التسجيل، حيث تمت إزالة حوالي 79 ألف حالة تسجيل مكرر، و39 ألف حالة فقدان للأهلية القانونية، إضافة إلى حذف حوالي 81 ألف اسم بسبب الوفاة. وتشكل هذه العملية عنصرًا أساسيًا في ضمان دقة الهيئة الناخبة وسلامة المسار الانتخابي.

غير أن قراءة الهيئة الناخبة لا تكتمل فقط بعدد المسجلين، بل تقتضي مقارنتها بالعدد المحتمل للمواطنين البالغين سن التصويت. فبالرغم من تسجيل حوالي 15,8 مليون ناخب وناخبة، تشير التقديرات إلى وجود حوالي 12 مليون مواطن غير مسجلين في اللوائح الانتخابية، وهو ما يجعل توسيع قاعدة المشاركة أحد أكبر رهانات انتخابات 2026.

وتكشف بنية الهيئة الناخبة عن مؤشرات اجتماعية مهمة. فالرجال يمثلون حوالي 54% من مجموع المسجلين مقابل 46% للنساء، مما يبرز الحاجة إلى مواصلة الجهود من أجل تعزيز مشاركة المرأة السياسية، ليس فقط كناخبة، وإنما كفاعل أساسي في صناعة القرار وتدبير الشأن العام.

أما الفئة الشبابية، فتظل إحدى أبرز نقاط التحدي، إذ لا تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 سنة سوى حوالي 3% من مجموع المسجلين، رغم حضورها القوي في المجتمع والفضاء الرقمي. ويطرح هذا المعطى سؤال العلاقة بين الشباب والسياسة، ومدى قدرة الأحزاب والمؤسسات على استعادة اهتمام هذه الفئة وإشراكها في إنتاج البرامج وصناعة الاختيارات العمومية.

وعلى المستوى المجالي، يبين توزيع المسجلين أن حوالي 55% منهم ينتمون إلى الوسط الحضري مقابل 45% إلى الوسط القروي، وهو ما يعكس أهمية مواصلة العمل من أجل ضمان مشاركة انتخابية متوازنة بين مختلف المجالات الترابية، وتيسير الولوج إلى المعلومة والخدمات الانتخابية، خاصة في المناطق القروية.

إن هذه المعطيات الرقمية، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تقود إلى اختزال نجاح الانتخابات في الجانب التنظيمي فقط. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المسجلين أو عدد مكاتب التصويت، وإنما بقدرة العملية الانتخابية على إنتاج مؤسسات تحظى بثقة المواطنين وتمثل اختياراتهم بشكل فعلي. فالفجوة بين عدد المسجلين وعدد المواطنين في سن التصويت لا تعكس فقط ظاهرة العزوف، بل تكشف أيضًا عن وجود أسئلة مرتبطة بعلاقة المواطن بالسياسة، وبمدى شعوره بأن صوته قادر على التأثير في القرارات العمومية.

ومن هنا، فإن توسيع المشاركة السياسية يقتضي تجاوز المقاربة التقنية نحو بناء علاقة جديدة مع المواطن، تقوم على التواصل المستمر، وتبسيط إجراءات التسجيل، والتفكير في آليات أكثر مرونة مستقبلًا، مثل التسجيل التلقائي أو شبه التلقائي، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية وحق المواطنين في التصحيح والاعتراض.

كما أن أرقام مشاركة النساء والشباب لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مؤشرات إحصائية، بل باعتبارها تعبيرًا عن تحديات مرتبطة بتجديد الحياة السياسية. فتعزيز حضور المرأة والشباب لا يقتصر على تحسين نسب التمثيلية، بل يتطلب تغييرًا في طرق اشتغال الأحزاب، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على حمل انتظارات المجتمع والدفاع عنها داخل المؤسسات.

وفي هذا السياق، تمثل الرقمنة فرصة حقيقية لتطوير الإدارة الانتخابية وتعزيز الشفافية، شرط ألا تبقى مجرد وسيلة تقنية لتدبير الملفات، بل تتحول إلى أداة لنشر المعلومات المتعلقة بالانتخابات والمرشحين والبرامج والتمويل والشكايات، بما يساهم في بناء الثقة وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.

كما يشكل تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات خطوة مهمة لضمان نزاهة العملية الانتخابية، غير أن فعاليتها ستظل مرتبطة بمدى سرعة تدخلها، وشفافية معالجة الشكايات، والقدرة على تطبيق القانون على الجميع دون تمييز، لأن الثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط بوجود الآليات، بل بمدى فعاليتها على أرض الواقع.

ويبقى استعمال المال غير المشروع وشراء الأصوات من أخطر التحديات التي تواجه العملية الانتخابية، لأنه يفرغ الاختيار الديمقراطي من مضمونه ويحول التصويت من تعبير حر عن الإرادة إلى علاقة مصلحية ظرفية. ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الرقابة القانونية، بل تتطلب أيضًا ترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية والنزاهة لدى جميع الأطراف.

إن تعزيز المشاركة السياسية مسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب والمواطنين. فالدولة مطالبة بضمان نزاهة الانتخابات وتكافؤ الفرص وتطبيق القانون، والأحزاب مطالبة بتقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، واختيار مرشحين ومرشحات تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة والاستقامة، لأن مصداقية أي مشروع سياسي ترتبط بمصداقية من يحمله. أما المواطن، فهو مدعو إلى ممارسة حقه الانتخابي باعتباره مسؤولية وطنية، والاختيار على أساس البرنامج والكفاءة، وليس على أساس المصالح الآنية أو الإغراءات.

ولا تنتهي مسؤولية الفاعلين السياسيين بإعلان النتائج، بل تبدأ بعدها مرحلة الوفاء بالالتزامات وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالديمقراطية لا تختزل في لحظة التصويت، وإنما تقوم أيضًا على متابعة تنفيذ البرامج، وتقييم الأداء، ومساءلة المنتخبين عن حصيلة عملهم.

إن انتخابات 2026 تمثل اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة المؤسسات على ضمان تنظيم انتخابي محكم وشفاف، واختبارًا لقدرة الأحزاب على تقديم مشاريع مقنعة ومرشحين قادرين على استعادة ثقة المواطنين. فالرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد المقاعد أو شكل التحالفات، بل بقدرة العملية الانتخابية على إعادة وصل المواطن بالفعل السياسي، وتحويل المشاركة من واجب ظرفي إلى اختيار واع ومسؤول يساهم في بناء دولة المؤسسات وترسيخ الديمقراطية وتحقيق التنمية.