الغش ليس مجرد حالة استثنائية يرتكبها طالب في مباراة أو اختبار للولوج في غفلة عن المراقب؛ فالنجاح في الولوج إلى معهد عال للتكوين يفضي إلى مهنة محترمة مأمولة يمكن إعادتها بشروط أكثر صرامة ودقة ويحل الإشكال.
الغش يا سادة في مجتمعاتنا أضحى بنية مركبة تخلقت في جيناته منذ وقت مبكر حين ضعف منسوب القيم الجماعية وحضرت عوضها ثقافة الأنانية والسعي إلى الخلاص الذاتي بكل الطرق الممكنة، وخفت أو اختفت معايير النزاهة وتكافؤ الفرص أو تكاد، وماتت العديد من الضمائر حين تخلت عن مهامها وتخففت من القيام بواجبها ووضعت لذلك ذرائع مختلفة.
والأخطر من كل هذا اختلاط هذه الظاهرة المشينة بالرشوة والزبونية والمحسوبية، وحرص البعض على حمايتها بالقانون. فكيف يستنكر مواطن استفحال ظاهرة الغش والرشوة وهو يرى البعض يساهم في وصول نائب برلماني إلى المؤسسة التشريعية ليصوت بالرفض على قانون يجرم التبليغ عن الفساد، ويجمد قانون الإثراء غير المشروع، ويمنع تشكيل لجان لتقصي الحقائق خوفاً من كشفها؟
وكيف ينشأ طفل على النزاهة وهو يتلقى الأجوبة جاهزة مكتوبة على السبورة في أول اختبار إشهادي ويكتفي بنقلها على ورقة الامتحان بتوجيه بعض من لا ضمير لهم من أجل الرفع من معدلات النجاح منذ المرحلة الابتدائية؟
كيف يثق شاب في سوق الشغل أو الوصول إلى الوظيفة، أو يبذل مجهوداً لبناء مشروع ذاتي ينقذه وأسرته من البطالة، ثم يفاجأ بمن كان معه في خط الانطلاق قد وصل إلى محطة الوصول من وراء حجاب؟
كيف سيتحرك ضمير المواطن تجاه هذه السلوكيات وهو يتلقى خطاباً دينياً رسمياً يكاد يخلو من التحذير من الظواهر السلبية التي تنخر المجتمع، والقرآن الكريم مليء بالتحذير من السلوكيات المؤذنة بخراب العمران، ومنها: الغش والرشوة وأكل مال اليتيم والسحت والظلم وخيانة الأمانات والسرقة وغيرها، وكأنها مساحة لا يجوز لهذا الخطاب الاقتراب منها ليكون "خطاباً حكيماً"؟
كيف سيتحرك ضمير شاب يغرقه الإعلام بكل أصنافه في الانتهازية والوصول إلى المال بطرق لا علاقة لها بالجهد الفكري والثقافي والديني والاجتماعي والاقتصادي، وهو يرى الإعلام الرسمي يرمز فاشلاً ويجعل منه نموذجاً للاقتداء، يفتح أمامه الفضاءات في المهرجانات وتسخر له السيارات والحراسات والأضواء، وكأن هذه الجهات تقول لهؤلاء الشباب إنكم بدراستكم وجدكم واجتهادكم تسلكون الطريق الخطأ، وأن النجاح في كسب المال لا يحتاج إلى كل هذا الجهد والمسار الطويل الذي "يسلكه الأغبياء"؟
يكفي أن تتجرأ فتسمي نفسك "سلكوطاً" لتكسير الطابوهات، أو تفتح لنفسك فضاء افتراضياً تملؤه بالجرأة على القيم والأخلاق لتنهمر عليك الأموال من كل الجهات.
إن مجتمعاَ ترسخت فيه هذه الإشكالات لا يحتاج إلى إعادة مباراة من المباريات، بقدر ما يحتاج إلى إرجاع العداد إلى نقطة الصفر، والاشتغال بضمير جماعي إنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ فالمجتمع لا يخلو من خير.






