لقد تغيرت طبيعة السلطة نفسها. فبدل أن تقوم على احتكار وسائل الإنتاج أو أدوات العنف المشروع، أصبحت تقوم، بدرجة متزايدة، على احتكار الانتباه. ومن ينجح في السيطرة على انتباه الجمهور، ولو للحظات قليلة، يصبح قادراً على التأثير في إدراكه للواقع، وإعادة ترتيب أولوياته، وصياغة تصوراته عن الدولة والمجتمع والهوية والتاريخ.
هكذا نشأ ما يمكن تسميته باقتصاد التفاهة؛ اقتصاد لا تُقاس فيه القيمة بما يضيفه الخطاب إلى المعرفة، بل بما يحققه من تفاعل، وما يثيره من انفعال، وما يولده من استقطاب. فكلما كان الخطاب أكثر حدة، وأقرب إلى الإثارة والفضيحة والتشهير، ازدادت فرص انتشاره، حتى غدا المنطق الرقمي يكافئ الانفعال أكثر مما يكافئ التفكير، ويمنح التفوق لمن يجيد صناعة الصدمة لا لمن ينتج الأفكار.
إن أخطر ما في هذا الاقتصاد الجديد أنه لا يكتفي بإنتاج التفاهة، بل يعيد تعريف معايير النجاح والشرعية. فالمثقف الذي يقضي سنوات في البحث والتأليف قد يصبح أقل حضوراً من مؤثر يصنع رأياً عاماً في دقائق معدودة، والصحافي الذي يتحرى الدقة قد يخسر السباق أمام ناشر إشاعة، لأن الخوارزميات لا تكافئ الحقيقة بقدر ما تكافئ ما يثير الفضول والغضب والخوف.
ومن هنا تتولد الشعبوية الرقمية، لا باعتبارها موقفاً سياسياً فحسب، بل باعتبارها أسلوباً في إنتاج الوعي. إنها خطاب يقوم على تبسيط القضايا المركبة، وتحويلها إلى ثنائيات حادة: وطني وخائن، حداثي ورجعي، مخلص وعميل، مع وضد. وبهذا المنطق لا يعود هناك مجال للمنطقة الرمادية التي تتنفس فيها الديمقراطية، ولا مكان للتعقيد الذي يميز المجتمعات الحديثة.
وتستمد هذه الشعبوية قوتها من قدرتها على مخاطبة العاطفة قبل العقل، والانفعال قبل التفكير. فهي لا تقدم تفسيراً للواقع، بقدر ما تقدم رواية سهلة ومريحة، تمنح جمهورها شعوراً زائفاً باليقين. وكلما ازداد الواقع تعقيداً، ازداد الإقبال على هذه السرديات المبسطة، لأنها تعفي الناس من عناء الفهم، وتمنحهم إجابات جاهزة عن أسئلة معقدة.
لكن الأخطر من ذلك هو أن هذه الشعبوية لا تكتفي بتفسير الواقع، بل تعمل على إعادة إنتاجه. فهي تخلق خصوماً دائمين، وتبحث باستمرار عن "عدو" جديد تُبنى عليه شرعيتها. ولذلك فإنها لا تستطيع العيش في فضاء هادئ، لأن وجودها مرتبط بإدامة التوتر، وتغذية الخوف، وتأجيج الإحساس بالمؤامرة، وإبقاء المجتمع في حالة استنفار نفسي دائم.
وفي هذا السياق، تتحول اللغة إلى أداة للعنف الرمزي. فبدل أن تكون وسيلة للفهم المتبادل، تصبح وسيلة للتصنيف والإقصاء. تُنتزع الكلمات من معانيها، وتُحمّل بدلالات أيديولوجية جديدة، فتتحول الوطنية إلى أداة للمزايدة، والاختلاف إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والاستقلال الفكري إلى شبهة تستوجب المحاكمة الأخلاقية.
إن العنف الرمزي أكثر خطورة من العنف المباشر، لأنه لا يجرح الأجساد، بل يعيد تشكيل الوعي. إنه يدفع الأفراد إلى قبول صور نمطية، وإلى إعادة إنتاجها، حتى تصبح جزءاً من إدراكهم الطبيعي للعالم. وعندما يحدث ذلك، لا يعود القمع في حاجة إلى أدواته التقليدية، لأن المجتمع يبدأ في مراقبة نفسه بنفسه، ويصبح الرقيب مقيماً داخل العقول قبل أن يكون خارجها.
وهنا تتقاطع الشعبوية الرقمية مع منطق المنصات الإلكترونية. فهذه المنصات لا تسأل عن جودة المحتوى، بل عن قدرته على جذب الانتباه. لذلك تنتشر خطابات الغضب بسرعة أكبر من خطابات العقل، ويحقق صانع الكراهية حضوراً أوسع من صاحب الفكرة، لأن السوق الرقمية، بطبيعتها، تمنح الأفضلية لما يثير الانفعال.
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الإعلام، بل يمتد إلى السياسة والثقافة والتعليم. فحين تصبح الشهرة بديلاً عن الكفاءة، والتفاعل بديلاً عن المصداقية، تبدأ المؤسسات نفسها في التأثر بهذه القيم الجديدة. عندها يتراجع الخبراء، ويتقدم محترفو الاستعراض، وتصبح الصورة أهم من الفكرة، والانطباع أهم من الحقيقة.
وإذا كان هذا التحول ظاهرة عالمية، فإن خطورته في السياق المغربي تتضاعف، لأن البلاد تواجه في الوقت نفسه رهانات استراتيجية كبرى، تتطلب مجتمعاً متماسكاً، ومجالاً عمومياً سليماً، ونخباً قادرة على إنتاج الثقة ،لا على تقويض بنيانها. أما إذا تُرك المجال العمومي نهباً لمنطق التفاهة والشعبوية الرقمية، فإن الخاسر لن يكون الصحافة وحدها، ولا الثقافة وحدها، بل الدولة نفسها، لأن شرعية الدولة الحديثة، لا تقوم فقط على احتكار السلطة، وإنما تنهض أيضاً على قدرتها على حماية شروط الحوار العقلاني، وصيانة الحقيقة من الابتذال، والمجال العمومي من الفوضى والتسيب .
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة ضد التكنولوجيا، ولا ضد وسائل التواصل الاجتماعي، بل ضد المنطق الذي يحولها إلى مصانع لإعادة إنتاج الجهل، والكراهية، واليقين الزائف. إنها معركة من أجل استعادة قيمة العقل، وإعادة الاعتبار للمعرفة، وتحصين المجال العمومي من أن يتحول إلى سوق مفتوحة يتساوى فيها صاحب الفكرة مع بائع الوهم، والصحافي المهني مع محترف التضليل، والمثقف مع تاجر الانفعالات.






