مع حلول فصل الصيف، وما يصاحبه من عطلة سنوية، تكثر الأعراس وحفلات الزواج في مختلف ربوع المملكة، وهو أمر يبعث على السرور، إذ لا يسعنا إلا أن نبارك لكل من أقبل على الزواج، ونسأل الله أن يبارك لهما، وأن يؤلف بين قلبيهما، وأن يجعل حياتهما عامرة بالمودة والرحمة.
غير أن هذه المناسبة السعيدة أصبحت في كثير من الأحيان تصاحبها ظاهرة تستحق التأمل والمراجعة، لما يترتب عليها من آثار تمس المدعوين والجيران والمجتمع على حد سواء.
فقد أصبح من المألوف أن تبدأ بعض حفلات الأعراس على الساعة السابعة مساء أو بعدها بقليل، ثم تمتد ساعات طويلة، فلا تنتهي إلا قبيل الفجر أو بعده، بل إن بعضها يستمر إلى ساعات الصباح الأولى. وليس غريبا أن يمر الإنسان في الثامنة صباحًا ببعض شوارع المدن أو طرق الكورنيش أو الشواطئ، فيجد مظاهر الاحتفال لا تزال متواصلة، وكأن الليل لم يفسح المجال للنهار.
أما داخل قاعات الأفراح، فإن المدعوين يقضون ساعات طويلة في انتظار مجريات الحفل، وسط أصوات الموسيقى والفنون الشعبية والاستعراضات المختلفة، حتى يغدو طول السهرة، أكثر من الفرح نفسه، مصدر إرهاق لكثير من الحاضرين، ولا سيما كبار السن، والأطفال، والمرضى، ومن تكبدوا مشقة السفر من مدن وقرى بعيدة.
ويزداد الاستغراب حين يعلم المرء أن وجبة العشاء، التي تعد من أهم مقاصد الدعوة، لا تقدم في كثير من المناسبات إلا قبيل أذان الفجر، فيظل الضيوف ساعات طويلة ينتظرون موعد الطعام، مع ما يرافق ذلك من تعب ومشقة لا مبرر لها.
ولا يخفى أن الفرح حق مشروع، بل هو من نعم الله التي تستوجب الشكر، وأن إشهار النكاح وإعلان السرور من السنن الحسنة، لكن الفرح لا يفقد شيئا من جماله إذا كان منظما، ولا تزداد قيمته كلما طال زمنه، وإنما يزداد بهاء حين يراعي راحة الناس، ويحفظ حقوقهم، ويترك في نفوسهم أجمل الأثر.
إن من حق الجار أن ينعم بالهدوء، ومن حق المريض أن يجد الراحة، ومن حق الموظف والعامل أن يستيقظ في الصباح وقد أخذ قسطا من النوم، كما أن من حق الضيف أن يكرم من غير أن يرهق بطول الانتظار أو السهر حتى ساعات الفجر الأولى .
ولعل من الحكمة أن يعاد النظر في كثير من العادات المرتبطة بالأعراس، فتبدأ الحفلات في وقت مناسب، وتقدم وجبة العشاء في وقتها المعتاد، وتنتهي المناسبة في ساعة معقولة، وبذلك يتحقق المقصود من الفرح، من غير مشقة على الضيوف، ولا أذى للجيران، ولا إرهاق للأسر وأصحاب المناسبة أنفسهم.
إن المجتمعات الراقية ليست تلك التي تكثر فيها مظاهر الاحتفال، وإنما التي تحسن تنظيم أفراحها، وتوفق بين إظهار البهجة واحترام النظام والذوق العام وحقوق الآخرين.
إنها دعوة صادقة إلى مراجعة عادة لا أصل لها في دين، ولا تفرضها ضرورة، ولا تزيد الفرح جمالا وبهاءا، بل قد تنقص من قيمته حين يتحول إلى سبب للتعب والإزعاج. وأجمل الأفراح هي التي يدخل السرور فيها إلى القلوب، ويغادر الجميع منها وهم يحملون ذكرى طيبة، لا إرهاقا يستمر أثره إلى اليوم التالي.






