لم أكن أستطيع الكتابة على فيسبوك خلال أحداث سبتة، لأنني كنت غارقًا في العمل الميداني، الذي كان يجري أحيانًا في ظروف سيئة وخطيرة.
مهما تكن ظروف اندلاع تلك الأحداث، ومهما تكاثف غبار المأساة وضجيج التعليق السياسي، فإن أهم نتيجة لها ستكون صعود حكومة يمينية في إسبانيا في غشت 2027، لتكون حليفة لإدارة الرئيس دونالد ترامب.
الحديث عن الظروف السوسيواقتصادية للشباب أمر مهم، لكن الخلل الأفدح، في نظري، يكمن في النظام التربوي و القيمي: آباء يعلّقون أطفالهم بقناني المياه الفارغة، ويدفعون بهم إلى التهلكة، و اخرون من الطبقة المتوسطة جلبوا فلذات أكبادهم في سياراتهم الثمينة للزج بهم في اليم.
سبتة ليست وحدها المتضررة. فقد تأثرت كاستييخو (الفنيدق) أكثر من مدينة سبتة، بسبب اجتياح المهاجرين لها، وكان من بينهم عتاة المجرمين الحضريين، ففقدت موسمها السياحي في رمشة عين. بعدما تعرّضتُ للسرقة على يد بعض أولئك المجرمين، ذهبت لتقديم شكاية لدى الشرطة، فوجدت هناك ضحايا آخرين، من بينهم شخص سُرقت دراجته النارية، وشخصان تعرّضت سيارتاهما للتخريب بالحجارة.
هل يحاول اليسار المغربي توفير غطاء سياسي للجريمة؟ وكما فعل خلال أحداث جيل "زد" عندما لم يميّز بين الاحتجاج السلمي والعنف والتخريب، يتعمد اليسار المغربي عدم الفصل بين الهجرة السلمية والهجوم العنيف على ممتلكات المواطنين والقوات العمومية.
لقد عاينت بنفسي، بصفتي شاهد عيان، معركة باب سبتة التي وقعت فجر الجمعة الماضي، حيث سيطرت جماعات إجرامية عنيفة على الطريق الرابطة بين كاستييخو (الفنيدق) وسبتة، كما اعتلت التلال الموازية لها لتوفير غطاء مرتفع و عنيف لعناصرها على الأرض المنخفضة، قبل أن تشن هجومًا شرسًا على القوات العمومية في باب سبتة، وتحرق أكثر من عشر سيارات كانت موجودة في المكان.
وإذا أردتً تقييم الهجوم الذي مورس ضد عناصر القوات العمومية، فإن هدفه لا يمكن أن يكون شيئًا آخر غير محاولة القتل. لقد عاينت الهجوم ميدانيًا يوم الجمعة، في الساعة الخامسة والنصف فجرًا، وعلى بُعد بضعة أمتار، عندما كان اولائك اليساريون الذين يوفرون الغطاء السياسي للعنف نائمون في أسِرّتهم الدافئة.
هذا العام، نلت شرف كتابة كتيّب عن العلاقات المغربية الإسبانية، بالاشتراك مع زميلي الصحفي المخضرم ألبيرتو ماسيغوسا. وكان ذلك أول كتاب يكتبه صحفيان من المغرب و إسبانيا معًا، ويتضمن تركيبًا بين نظرة من الجنوب ونظرة من الشمال، فضلًا عن فصل نقدي مشترك.
تحدثنا في الكتيّب عن الأواصر القديمة بين الشعبين الإسباني والمغربي، التي تعود إلى آلاف السنين، وكذلك عن سبل تجاوز جراح الذاكرة لبناء علاقة أقوى، تسودها الثقة والتفاهم والتعاون.
وفي نظري، فإن ما جرى في سبتة -وكان من الممكن تجنّبه بسهولة- سيستمر في إذكاء ندوب الذاكرة، وسيجعل كثيرًا من الإسبان ينظرون إلى المغرب باعتباره دولة غير قابلة للتّوقُّع.






