مجتمع وحوداث

رد قد يفيد وقد لا يفيد عن المقال الذي كتبه الدكتور حسن أوريد

أحمد الدافري (إعلامي)

نشر موقع الجزيرة التابع لمؤسسة الجزيرة الإعلامية القطرية، يوم الاثنين الماضي 3 غشت 2026 مقالا للأستاذ حسن أوريد ، بعنوان "البحر أمامكم"، والصفة التي تم تقديم بها الأستاذ حسن أوريد، هي : أكاديمي وسياسي مغربي، وأستاذ للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، علما أن الأستاذ حسن أوريد كان هو أول ناطق باسم القصر الملكي عندما تربع الملك محمد السادس على العرش قبل سيعة وعشرين سنة، وشغل حينها أيضا مهمة مؤرخ المملكة، قبل أن يتحمل مسؤولية تدبيرية في أجهزة السلطة حيث تم تعيينه واليا لجهة مكناس تافيلالت في الفترة من 2005 إلى 2009.

الجزء الذي أثارني في مقال الأستاذ حسن أوريد هو حين حاول إعطاء سبب لموجة الهجرة غير النظامية الأخيرة نحو سبتة باعتبارها ناتجة عن "مدونة الأسرة" وكتب قائلا :

"لم تعد شريحة ما يسمى بـ "نيت" (NEET) أي غير المندمجة في الشغل أو التعليم، تطفح بالغضب فقط، بل تحمل العنف كذلك، وهي شريحة تقل أعمارها عن 20 سنة، وهي نتاج ما سمي بمدونة الأسرة، عُدت فتحا مبينا حينها، وهي التي قلصت سلطة الأب وجعلت العلاقة الزوجية علاقة تكافؤ و ليس تكافلا وتكاملا".

وأضاف في الفقرة نفسها :

"عدد كبير من النازحين، هم أبناء أسر من ولي واحد، أي من نتاج مدونة الأسرة، والتي ظهرت آثارها السلبية في تظاهرات الأطراف، والجنوح إلى العنف".

من السهل تسجيل اعتراض جوهري ومنطقي على الطرح الذي يسوقه الأستاذ حسن أوريد هنا في هذه الفقرة، والقائم على ربط ظاهرة الهجرة غير النظامية المعقدة والعويصة بمدونة الأسرة المغربية.

 إنّ هذا الربط يمثل، في رأيي، تسطيحا لمشكلة تتجاوز بكثير حدود التشريعات الأسرية الوطنية، ويجب النظر إليها من منطلق التغيرات القيمية العميقة التي يشهدها العالم بأسره.

فقد كان حريا أن يأخذ السيد حسن أوريد في سياق محاولته إيجاد تفسير لعملية النزوح هذه، عددا من العناصر المرتبطة بالدور المحوري الذي تلعبه الفورة التكنولوجية في التواصل الرقمي، وهي فورة تساهم بشكل كبير في تشكيل وعي ودوافع الشباب اليوم.

 إنّ العالم الافتراضي أصبح اليوم هو الفضاء الذي يتربى فيه جيل اليوم، حيث يتم تسويق صورة جذابة ومضللة عن الحياة في أوروبا، وحيث يُمارس تضليل إعلامي ممنهج.

 فالتلاعب بعواطف الفئات الشابة الهشة من خلال مثيرات بصرية جذابة يجعلهم يبنون أحلاماً وردية عن إمكانية تغيير أوضاعهم بسهولة نحو الأفضل عبر التطلع إلى أوروبا والوصول إليها بأية وسيلة حتى لو اقتضى الأمر مغامرات قد تنتهي بالم غرقا، وليست بنود مدونة الأسرة هي التي تدفعهم لذلك.

السيد حسن أوريد أراد أن يعزز رأيه حِجاجيا في مقاله بقوله:

"عدد كبير من النازحين، هم أبناء أسر من ولي واحد، أي من نتاج مدونة الأسرة، والتي ظهرت آثارها السلبية في تظاهرات الأطراف، والجنوح إلى العنف". 

إنّ ما ذهب إليه الأستاذ حسن أوريد هنا يمثل قفزة استنتاجية خطيرة ومبنية على مجازفة معرفية وإحصائية، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مصداقية التحليل.

من قال للأستاذ حسن أوريد بأن عددا كبيرا من النازحين هم أبناء أسر من ولي واحد؟

 فهل كان واقفا في البر أو في البحر على مشارف سبتة، أو غيرها من نقاط العبور، وكان يلتقي بالنازحين ويجري معهم لقاءات ميدانية ويأخذ معلومات منهم وعرف بشكل مباشر أنهم أبناء أسر من ولي واحد؟

 هل أجرى دراسة سوسيولوجية ونفسية دقيقة، أم أنه اكتفى بتبني أحكام قيمة جاهزة وتعليق مشجب ظاهرة عالمية ومعقدة على قانون وطني سعى إلى حماية الأسرة؟ 

إنّ احتجاجات الشباب وأشكال العنف الذي يتخذونه أحيانا وسيلة للتعبير عن سخطهم من أوضاعهم، هي جزء من ظواهر لها سياقات سياسية واجتماعية واقتصادية معروفة، وليست نتيجة مباشرة لتهميش دور الأب داخل الأسرة، والدليل على ذلك أن هناك رجالا ظهروا في فيديوهات خلال عملية النزوح، وهم يسوقون زوجاتهم وأبناءهم مثل القطيع وراءهم من أجل الوصول إلى سبتة.

 وبالتالي، فإن إرجاع المعضلة إلى تهميش دور الأب في الأسرة هو تسطيح مخل لمشكلة أعوص بكثير، تتداخل فيها عوامل الفورة التكنولوجية، وتأثير الإعلام الرقمي العابر للحدود، وصراع القيم، وفشل النماذج التنموية في احتواء طموحات الشباب، مما يجعل البحث عن "جنة موعودة" عبر البحر الهروب الأوحد أمام فئات هشة أصبحت أسيرة لمثيرات بصرية وجاذبية استهلاكية، وليست نتاجاً لنص قانوني.

وبناءً عليه، فإنّ تحميل مدونة الأسرة مسؤولية التفكك الأسري وتراجع أدوار الآباء يمثل خلطا بين السبب التشريعي والمتغير القيمي المجتمعي.

 فالمنطق السليم يقتضي الاعتراف بأن القوانين لا تُغيّر القيم من فراغ، ولا تستطيع بمفردها فرض نموذج تربوي إن لم تتبناه الأسرة قناعة.

 إنّ واحدا من الأسباب الحقيقية للمشكلة، يتمثل في عجز المنظومات التربوية والمجتمعية عن مجاراة الثورة الرقمية، وليس في قانون يحاول تنظيم الطلاق بشكل عادل أو يقرّ بمبدأ المسؤولية المشتركة الذي هو، في حد ذاته، أرقى صور العناية بالأبناء.

وهذا ما كان