رأي

خولة بنعمر: وسقطت الطائرة في المدونة

إلى من يفتش عن سبب واحد…

قرأت مقالك باهتمام. ولم أختلف معك لأنك طرحت أسئلة، بل لأنك توقفت عند أول جواب بدا لك مقنعًا. فالوقائع الكبرى لا تختزل في تفسير واحد، والأزمات الحضارية لا تُفهم بخيط واحد، وحركة الشعوب لا تُقرأ بمنطق السببية البسيطة. رأيت في ما حدث بسبتة أزمة سياسية. ورآه غيرك أزمة اقتصادية. ثم انتهيت إلى أن مدونة الأسرة، وتراجع سلطة الأب، هما أصل الداء.

 لكن التاريخ لا يُكتب بهذه البساطة. فالإنسان لا يهاجر فقط عندما يضيق به العيش، بل ايضاً عندما يضيق به الأفق. الاقتصاد يفسر الحاجة، لكنه لا يفسر الحلم. والسياسة تدير الدولة، لكنها لا تصنع وحدها الأمل. أما الهجرة اليوم، فإنها تبدأ في شاشة الهاتف قبل أن تبدأ في البحر. أكثر ما استوقفني في مقالك ليس نقدك لمدونة الأسرة، بل المسار الذي سلكه تحليلك. بدأت من حدث معقد تتداخل فيه الهجرة، والاقتصاد، والتحولات الرقمية، وأزمات المعنى، وانتهيت إلى الأب. وكأن كل الطرق، مهما اختلفت، تؤدي في النهاية إلى الأسرة باعتبارها وحدها موضع الخلل.

 وهنا تكمن المشكلة المنهجية. مدونة الأسرة ليست نصًا مقدسًا، ولها بالتأكيد ثغرات تستوجب المراجعة والتطوير، كما هو شأن كل القوانين التي تصاحب تحولات المجتمع. لكنها جاءت أيضًا لتصحيح اختلالات وظلم حقيقي عاشته نساء وأطفال لعقود، ولتحقيق قدر أكبر من العدالة داخل الأسرة. فكيف يتحول الإصلاح إلى المتهم الأول؟ وكيف يصبح إنصاف المرأة تفسيرًا لأزمة اجتماعية بهذا الحجم؟

أين الدليل ،هل هناك دراسة اجتماعية تثبت أن تراجع سلطة الأب هو السبب المباشر للهجرة أو للعنف أو لفقدان الأمل؟ أم أننا أمام قراءة تبحث عن تفسير ينسجم مع قناعة سابقة؟ أخطر ما يمكن أن نقع فيه هو الخلط بين التحولات التي حدثت في المجتمع وبين الأسباب التي أنتجتها. فالعالم تغير قبل القوانين وبعدها. لم يعد الأب المصدر الوحيد للمعرفة، ولا للدخل، ولا المصدر الوحيد لصناعة القيم. تغيرت بنية المجتمع بفعل التعليم، والاقتصاد، والتحضر، والهجرة، والثورة الرقمية، دخلت الهواتف الذكية إلى كل بيت، وأصبحت الخوارزميات تصنع الوعي، وتعيد تشكيل الطموحات، وتحدد معايير النجاح والفشل، والانتماء من عدمه . فمن الذي أعاد تشكيل الأسرة حقًا، قانون للأسرة، أم عالم كامل تغيرت فيه طريقة الإنسان في رؤية نفسه ومستقبله؟ لماذا ضعفت قدرة المدرسة على صناعة المعنى؟ لماذا تراجع دور الثقافة؟ لماذا أصبح المؤثر على شاشة صغيرة أكثر تأثيرًا من المعلم والمثقف والمؤسسات الوسيطة؟ ثم إن العودة الدائمة إلى سؤال السلطة الأبوية تستحق التوقف. لأن المجتمعات لا تُبنى باستعادة سلطات الماضي، بل بإعادة بناء الثقة في المستقبل. فالأسرة لا تقوى بالخوف، بل بالاحترام. والأب لا يستعيد مكانته بإلغاء تطور المجتمع، بل بقدرته على أن يكون مصدر حكمة وحضور وقدوة. ولو كانت مدونة الأسرة هي سبب الهجرة، لكان ينبغي أن تختفي هذه الظاهرة في المجتمعات التي لا تعرف تشريعات مشابهة، أو أن تكون محصورة في المغرب. لكن الهجرة الجماعية اليوم ظاهرة عالمية تطال مجتمعات تختلف في قوانينها، وثقافاتها، وأنظمتها السياسية. وهذا وحده يكفي لنعرف أن المسألة أوسع من قانون، وأعمق من تشريع. ما حدث ليس أزمة أب، ولا أزمة أم، ولا أزمة مدونة. إنه أزمة أفق. إنه أزمة معنى. فالإنسان لا يترك وطنه فقط لأنه يبحث عن عمل، بل لأنه يبحث عن مكان يشعر فيه أن حلمه ممكن. والتحدي الحقيقي أمام المجتمعات يكمن في بناء في الإنسان شعورًا بأن المستقبل يمكن أن يولد هنا. الأمم لا تنهض بمحاكمة الماضي، ولا بإعادة توزيع المسؤوليات على فئة أو قانون. بل تنهض عندما يفهم الإنسان. لأن الإنسان، منذ فجر التاريخ، لم يكن يبحث فقط عن مكان يعيش فيه بل عن معنى (le sens ) يعيش من أجله . وكل قراءة لا تبدأ من الإنسان، ولا تنتهي عند الإنسان، ستبقى قراءة ناقصة، مهما بدت متماسكة، ومهما امتلكت من قوة لغوية.

وفي الأخير سؤال لن يكون موجها لك، أين المدونة الجديدة ؟