رأي

بنسعيد الركيبي: الخدمة ها هي.. واليد العاملة فين هي؟

كلما ارتفعت البطالة في المغرب، انصرف النقاش إلى المطالبة بإحداث مزيد من مناصب الشغل. وهي مطالبة مشروعة، لكنها لم تعد تكفي لفهم ما يجري داخل سوق العمل. فهناك مفارقة تستحق أن نتوقف عندها، ففي الوقت الذي يبحث فيه آلاف الشباب عن فرصة عمل، تشتكي قطاعات اقتصادية عديدة من نقص اليد العاملة، بل إن بعضها يعرف مغادرة جماعية للعمال بعد أشهر قليلة من تشغيلهم.

وأبرز مثال على ذلك ما يروج بشأن بعض شركات "الكابلاج"، التي أصبحت تعاني من ارتفاع معدل مغادرة العمال. والسؤال الذي يجب أن يشكل محور النقاش الجاد هو لماذا يترك الشباب العمل عندما يجدونه؟

لأنه سؤال يغير زاوية النظر بالكامل.

فالمشكل لا يكمن دائما في غياب فرص الشغل، وإنما في جودة تلك الفرص. فالعمل الذي لا يضمن أجرا يسمح بالعيش الكريم ولا يوفر آفاقا للتطور المهني، ولا يمنح العامل شعورا بالاستقرار يتحول إلى محطة مؤقتة يغادرها بمجرد ظهور بديل أفضل، حتى لو كان الانضمام إلى صفوف العاطلين.

وينطبق الأمر نفسه على عدد من المهن الحرفية. فالبناء، والنجارة، والحدادة، والترصيص، والكهرباء، والصباغة... كلها قطاعات تشكو باستمرار من نقص اليد العاملة، رغم أن الطلب عليها مرتفع. والسبب يعود إلى ضعف التكوين، كما يعتقد البعض، وضعف الأجور، وظروف العمل، والصورة الاجتماعية لهذه المهن.

لقد اعتدنا أن نوجه اللوم إلى الشباب، متهمين إياهم بالعزوف عن العمل اليدوي، بينما نادرا ما نسأل هل الأجر المعروض يتناسب مع حجم الجهد والمخاطر التي تتطلبها هذه المهن؟

إن قانون السوق نفسه يقدم الجواب. فعندما يرتفع الطلب على سلعة ما يرتفع ثمنها. فلماذا لا ينطبق المنطق نفسه على العمل؟ فإذا كانت بعض المهن تعرف خصاصا دائما في اليد العاملة، فمن المفروض أن تتحسن الأجور فيها حتى تصبح أكثر جاذبية. أما استمرار الخصاص مع بقاء الأجور عند مستويات متدنية، فهو مؤشر على وجود اختلال ينبغي معالجته.

ولا يتعلق الأمر فقط بالعدالة الإجتماعية، بل أيضا بالكفاءة الاقتصادية. فالاقتصاد الذي يعجز عن الاحتفاظ بعماله بسبب ضعف شروط العمل يتحمل كلفة إضافية تتمثل في ارتفاع معدل دوران اليد العاملة وتراجع الإنتاجية، وزيادة نفقات التكوين المستمر.

ومن هذا المنطلق يصبح قياس نجاح سياسات التشغيل بقدرتها على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، لا بعدد مناصب الشغل المحدثة كما يحلو للحكومة أن تردد كلما أثير النقاش حول ارتفاع معدل البطالة.

لقد تغيرت عقلية الشباب وتغيرت تطلعاته، ولم يعد يقبل بأي وظيفة لمجرد أنها توفر دخلا كيفما كان. وهذه رسالة إلى أرباب العمل مفادها أن زمن الوظيفة بأي ثمن يقترب من نهايته. ورسالة أيضا إلى الحكومة مفادها أن إصلاح سوق الشغل في المغرب لن يتحقق فقط بخلق وظائف جديدة، وإنما بإعادة الاعتبار لقيمة العمل نفسه. فحين يصبح الأجر عادلا، وظروف العمل لائقة والحرفة محترمة، سيختفي جزء مهم من الخصاص الذي تعاني منه قطاعات عديدة، وسيتحول العمل من خيار اضطراري إلى اختيار مهني حقيقي.