نحن اليوم أمام حالة صارخة ومكتملة الأركان من التخبط الإعلامي.. حالة تعيد رسم الجغرافيا وتزوير التاريخ وفق مزاج سياسي مضطرب يتغير كما تتغير فصول السنة. تأملوا معي ما جرى في تغطيتها الأخيرة لملف سبتة المحتلة لقد اختزلت القناة القضية الوطنية برمتها وبسطحية مقصودة في مجرد "أزمة هجرة" أو "صداع حدودي أوروبي" متجاهلةً عن عمد وسوء نية السياق التاريخي والسيادي لهذا الثغر المغربي السليب. لقد جرى انتقاء المفاهيم والمصطلحات بكثير من الخبث اللغوي لتخدم رواية "الآخر" الغريب على حساب الحق الشرعي للوطن وأصحابه.
هل نتحدث هنا عن خطأ تحريري عابر أو زلة مهنية؟ إطلاقاً...!
إنها حلقة في سلسلة ممتدة من التوظيف السياسي للإعلام.
نتذكر جميعاً ذاك الإصرار المتكرر في تقارير برامجها المصورة على نشر خريطة المغرب مبتورة من صحرائه. إن اقتطاع جزء من جسد الوطن على شاشة التلفزيون ليس "زلة جرافيك" أو سهواً من مخرج غافل بل هو تكتيك إعلامي يُستدعى ويُخفى بنشاط يتناسب طرداً مع تقلبات المزاج السياسي للجهة المموّلة.
ثم تأتي المأساة الأكثر غرابة عندما يتحول الخطاب من كواليس التحليل الإخباري إلى منابر الإفتاء السياسي
لقد أذاعت القناة بيانا إعلاميا لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين انتصر فيه لسمو الحدود الإسبانية على حساب أرض إسلامية.. ولما استيقظ الرجل على ردة فعل مغربية رزينة واعية وراجع نفسه واعتذر صراحة مارست القناة صمتاً تنظيمياً غريباً حجبوا الاعتذار وكأن الواقعة لم تكن
أليس هذا هو السلوك الشمولي الذي يُبقي على الصورة المشوهة عمدًا في أذهان الجمهور.. ؟
وهنا وجب التأكيد على مسألة مبدئية:
فنحن حين نقوم بتعرية هذه الأقنعة لا نفعل ذلك تودداً للقناة أو استجداءً لتنتصر لسرديتنا الوطنية فنحن كمغاربة عرفنا منذ زمان أن "الجزيرة" هي القناة الوحيدة التي تستطيع أن تظهر صورة التفاحة على شاشتها وتكتب أسفلها بخط عريض برتقالة ! بل نفعل ذلك كشفاً للحقيقة وممارسةً حقيقية لـ "الرأي الآخر" الذي يدّعون احتكاره لنقول لهم بلغة مباشرة:
إن المادة الإعلامية لقناتكم أضحت ملوثة ومسرطنة وتصادم الذوق العام والضمير المهني.
غير أن ما يغيب عن أذهان هؤلاء المخرجين والمخططين أن هذا الوطن ليس شاشة تُطفأ بضغطة زر ولا مجرد رقعة جغرافية تُعاد رسمها على لوحة جرافيك.
إن المغرب منذ قديم الأزل كان وما يزال عصياً على الاختراق مستعصياً على الترويض أمام هذا الفكر المشرقي النكوصي وإن تغيرت أدواته وتبرجت شاشاته.
هناك شيء اسمه ( الشفرة المغربية) تلك العبقرية الحضارية والنسيج المتين من التاريخ والتلاحم الذاتي الذي لا تفهمه العقول السطحية ولا تستوعبه القراءات المعلبة. هي أمةٌ عصية على التفكيك تتكسر على أعتاب وعيها الصلب كل محاولات البتر والتضليل ويبقى الجبل الأطلسيّ الشامخ ثابتاً..
بينما تتطاير من حوله زبد الشاشات وتذهب جفاءً..






